الأربعاء، 6 مارس 2013

بنت الفجر


ولدت مع الفجر ...لكن هل كانت تعلم انها ستقتل  معه ...
براءة ..يا براااااااااااااااءة ..  
اجابة براءة امها : نعم ...
الأم : يابنتي .. والدك الآااااان  ينتظر.. الخبز قبل كل شيء... سينهض اخوتك ولن يكون هناك ما يأكلون !!؟؟...
حاضر يا أمي ..
خرجت مسرعة  براءة من المطبخ .. إلى غرفتها المشتركة مع اخوتها (خمس بنات و أخ هو أصغر الجميع) ..لارتداء ملابس الخروج .. والاسراع  لمقر عمل أبيها .. لاستلام نصيبهم اليومي من الكدم (ارخص انواع الخبز)..وفي طريقها لغرفتها تلتقي بعدد من اخواتها ..يستعدن للصلاة أو اتممنها..أويقاومن الخمول للبدء فيها ..ابتسمت براءة وهي ترى شقيقتها الصغرى تفعل ذلك.. أما احمد -اصغر الجميع - .. هه ..لم يدرك بعد الحركة التي حوله .. مستغرق تماماً في نومه بين بقايا البطانيات التى يتدفئون بها.. وكانه يسكن في مملكه مخصصة للنوم  فقط .. أو ان النوم ذاته هو من يسكن جسده !
امسكي ..
هــه..
كانت أشراق (اختها الكبرى) تمد بيدها لأختها بحجابها المهترئ  قالت لها ذلك.. بقليل من الجدية وشيء من العجلة .. اسرعت هي بالأمساك به وارتدائه ..وهي  تنظر للمرأة  المكسورة من احد اطرافها  والمسنودة على الجدار فوق دولاب حديدي صغير ..اطالت قليلاً في نظرها للمرآة ..لانها ارادت التأكد من تغطية كامل شعرها ..
أشراق بتذمر من تلك الإطالة : رائعة .. اصبحتي رائعة الجماااااال .. اسرعي في لبسك فقط.. ورمت لها  الباطو المدرسي ..
براءة  بصدق : لا والله .. بس شعري ..
اشراق : تمام .. تمام .. وهي مستعجلة .. للذهاب للمطبخ  ..
تعرف براءة ان اختها تأخرت اليوم .. في تجهيزها  للإفطار بسبب سهرها الليلة الماضية وهي تساعد والدتها في اعمال الخياطة  : كنت اريد مساعدتك .. لكن امي نادتني ..
اشراق : تمااام .. تماااام .. واغلقت الباب وهي خارجة من الغرفة .. لم تنظر اليها من كثر عجلتها .. مس براءة  قليل من الحزن .. نظرت لنفسها في المرآة .. ثم تذكرت بسرعة البالطو .. مدت يدها لإلتقاطه .. وهي تكلم نفسها .. اشراق طيبه.. لكنها تكون عصبيه قليلاً .. عندما تكون مستعجلة .. ارتدته وهي ليس اقل عجلاً من شقيقتها .. نظرت إلى شقيقها النائم .. وقالت لنفسها .. عندما يكبر هو .. لن احتاج للخروج في هذا الجو البارد .. واسرعت الخطى بين البطانيات المتناثرة .. القت  نظرة اخيرة على الغرفة  المزدحمة بالاشياء أو بقايا الاشياء .. مايشبة الفرش على الجوانب ..وشبه إضاءة في الأعلى.. بقايا وسائد..وبقايا بطانيات .. بقايا دواليب ..بقايا طلاء.. وكذلك بقايا سقف وجدران .. وتسائلت بداخل نفسها هل يسكنها بقايا بشر ؟؟!..اسرعت الى خارج الغرفة .. هروباً من ذلك السؤال هذه المرة وليس لاجل لقمة الخبز التي تنتظرها عدد من القلوب الجائعة .. لكن الى اين تهربين يا براءة ..
 .. ارتدت حذائها الممزق .. هـــه.. تهربين إلى هذا الشارع ..الهزيل الذي تزينة القمامة صباح مساء .. ضاقت نفسها أكثر.. اسرعت أكثر.. واصبحت لا تكاد ترى تفاصيل الطريق الذى تسير فيه.. تريد فقط الوصول .. لمبتغاها .. هي تسير في طريق على جبل.. جبل عصر .. ظلت تمشي مسرعة .. التقطت عينها صورة لمرتفع .. تحبه .. تريد الذهاب إليه .. ألن تتأخرين .. قد .. وقد لا .. لكنني أريد ..أريد لشيء أن ينمو بداخل نفسي .. لا بأس يمكنك ذلك ..بدأت  افكارها المؤلمة بالإبتعاد .. و بدأ شعور مختلف  يجول بداخل نفسها .. وقفت على أعلى الصخرة الكبيرة تطل على المدينة التي تعيش فيها ..آاااه .. فرح بداخل قلبي عندما اكون هنا .. قالت ذلك لنفسها وهي تنظر لصنعاء كااااااااااملة أمامها .. واستمرت بحديثها لنفسها وكأنني أمتلك هذه المدينة...صنعاء كم انت جميلة .. كم انت غريبة .. كيف ترضين أن يكون فيك بيت كئيب مثل بيتنا وقصور .. مثل قصور..غيرنا.....
أين العدل فيك يا صنعاء؟.. أين دروس الهداية التي تعلمتيها من السماء ؟! .. ألا ترين كيف تنشر الشمس نورها على الجميع .. وعندما يظلم الليل أيضاً يظلم على الجميع .. بل أنه أكثر من ذلك .. يسعى لان يوزع نجومه على الكل بالتساوي .. وكذلك يجاهد لتمرير قمره على كل الليالي .. مهما تذمر ذلك القمر ..أو تظاهر بالهزول او التعب ..وربما اضرب احياناً عن العمل !.. لكنه "الليل" يسعى دوماً لأن يكون عادلاً..  كما علمته السماء..
مرت ريح خفيفة باردة حول براءة .. شعرت بالنسمات الباردة تمر على وجهها القمحي المدور .. ابتسمت لتلك النسمات .. لابأس .. مازال بإمكاني الابتسام.. ومازالت حياتنا تحوي الدفء والصدق والإيمان ..
 دعك من هذا يا براءة ..لايزال لديك هذا الفجر فأنتي أبنته.. آااااااه ما أروع هذه السماء .. نعم ..ولايزال لديك ذلك الحلم ..بأن غداً سيكون أفضل .. تأملي وانظري أمامك ..لا تقلقي ..فقط انظري..نعم تأملي هذه البيوت التي امامك.. أي منها  تريدين ان يكون لك .. هذا الابيض.. ام ذاك ذو الحجرالاخضر ..  أنه أكبر واجمل .. هذا ايضاً بحجر ابيض.. وادخال اللون البني المحمر فيه جعله أكثر رونقاً ووقاراً ..
طافت عينها بين عدد من البيوت ...لكنها عادت لذلك البيت الابيض.. أنه الابسط.. ربما الاطهر .. ألذلك أعجبها ؟؟..هل وافق شيء في نفسها ؟؟..نعم عندما اكبر ساعيش في بيت مثل هذا .. عندما تملك اشراق معمل  للخياطة .. وتكون أمة العليم معلمة.. وانا ...ربما اكون طبيبة...أمممم....نعم وقتها من الممكن أن اعيش في مثل ذلك البيت ... أنه الأبيض..والاطهر !!
   أخذت  براءة نفساً كبير ..أكبر منك يا جبل عصر .. نعم انه بكبر الفضاء المتسع  امامها .. فعلت ذلك وهي رافعة يديها لتأخذ اكبر قدر من من الهواء والبرد والنشاط .. مغمضة العينين .. لتأخذ اكبر قدر من الحلم كذلك.. ابتسمت .. وكأنها بدأت بتحقيق ذلك الحلم... منذ هذا الصبح سأسعى لتحقيق هذا الحلم ..
ابتسمت وأنزلت يديها والتفت لطريقها الذي تعرفه جيداً وانطلقت بسرعة ..لتعوض الوقت الذي فاتها..وهي مطمئنه لحلم يسكن قلبها ويسير امامها في عقلها .. سارت بجوار الطريق الرئيسية .. وبدأت بالنزول نحو المنحدر .. لكنها فجأة تعثرت .. آاه .. تمالكت نفسها قبل السقوط ..لكن قدمها جرحت وانسكبت بعض الدماء منها..ضغطت عليها بيدها ..أممممه .. مؤلم ..لكن هناك شيء آخر كدرها .. احساس غريب راودها ..ومر على ذهنها طيف حلمها الجميل وقد بدأ ينزف الدماء أيضاً.. التفتت بسرعة وخوف إلى الصخرة التي كانت عليها .. كأن شيء ما هناك حدث .. وأمسكت بيدها على نبضات قلبها المفزوعة .. وكأن الحلم الذي بقلبي قُتل .. لا .. لا يمكن لحلم أن ينكسر ... عادت لطريقها .. بخطوات متناثرة .. وهي تردد ..لا.. لا يمكن لحلم ان ينكسر .. لكنها مازالت تشعر .. تشعر أن عيناً من الصخر لازالت تراقبها .. ولازالت تسرقها !..
نزلت براءة أكثر .. آه .. هذه المنطقة أكرهها ..  هي شبه خالية وموحشة .. هـه ..أغلب الطريق الذي تسيرين فيه شبه  خالي مالذي استجد ؟..لست ادري هنا الوحشة اكثر .. عموماً لابد من ذلك .. لانه وبكل بساطة ... هذه هي الطريق .. سارت هنا براءة بحذر وقلق..وشغلت نفسها بتأمل زرقة السماء ..التي بدأت تظهر وسماع اصوات العصافير التي بدأت بالاستيقاظ..
صباح الخير .. صوت غليظ هو الذي تكلم ..
هــه .. فزعت براءة .. ونظرت لأمامها .. فوجدت وجه أكثر غلظه من الصوت الذي سمعته ..و ابعد ما يمكن  عن ما كانت تنظرإليه أو تسمعه .. بل هو النقيض تماماً..من اين جاء هذا الشخص؟؟..لم يكن هنا منذ قليل .. سؤال ارتسم على ملامحها ..
لم يهتم بالإجابة عليها .. بل ربما لم يرى السؤال بالأساس.. كان مشغولاً بالنظر لأمور أخرى .. وضعت براءة يدها على كتفها ..خوفاً .. وتجنباً لنظراته ربما .. وارادت مواصلة طريقها .. مع السعي لتجنبه..
مد يده جانباً وتتحرك هو ليمنعها من المرور..أدركت براءة أن الوضع أكثر صعوبة مما تعتقد .. لا يريد فقط الكلام و.. فأصيبت بالفزع .. لكنها مازالت تتمالك نفسها .. يجب أن أمر .. تراجعات للوراء خطوات .. ونزلت للأرض ..أمسكت بحفنة من التراب والحصى .. واسرعت  برميهم على وجهه ..
صاح هو :آاااه .. يابنت الـ.........
تاذت مما سمعت لكن لم يكن ذلك ليشغلها عن محاولة الهرب ..مالت بسرعة  للجهة الأخرى .. واسرعت للجري في المنطقة المفتوحة ...
ألتفت هو إليها ماداً يده وبعنين شبه مغمضتين .. وصوت أغلظ مما كان : لن تهربين ...
لم تتوانى براءة في ان تجري ...باقصى ما يمكنها .. وإن كانت خطواتها تتعثر احياناً من كثرة الخوف.. واصلت الجري ..
لكن .. هناك ما امسكها من ذراعها  وجذبها للوراء ثم قذفها لحائط  مجاور وهو يقول لها : إلى أين ؟؟...صوت كريه هذه المرة ..ووجه أكره .. تملكها الرعب تماماً..
واصل صاحب الوجه الكريه  كلامه إليها : تعالي معانا ...
لم تعرف براءة إلى أين .. ولم يكن هناك داعي لتعرف فقد اجابت بتلقائية مرتعبة : لأ ...
وبدات تنظر للرجل الاول وهو قادم بخطوات بطيئة إلى المكان الذي هي فيه .. ايضاً هناك اخر خرج من الزقاق المقابل أزدات خوفاً على خوف...وتسائلت  ماذا بعد ؟؟...
ومازال صاحب الصوت الكريه  يُصر على محاولة  اغوائها  : تعالي معانا .. أكل وشرب .. ولبس....
براءة : لأ ..
وكانه بدأ يغضب .. فضربها على وجهها وواصل: تعالي معانا .. هذا افضل لك ..
آااااه .. وتراجعت للوراء ..
اصبح الثلاثه .. خمسة .. كيف ؟...لا ادري !!.. لماذا ؟؟..لا أدري ..
اقترب الخمسة  منها أكثر... رائحة كريهة تنبعث من وجوه أحدهم ..أو أثنين منهم ..أو كلهم .....
لكن الاهم كيف أنجو  من كل هؤلاء..
وبدأت الاصوات تكرر : تعالي معانا ... سوف تأتين برضاك ولا غصب عنك ... والأيادي ..تمتد وتضرب ..
آاااااه  .. لااااااااأ... .. صرخت ..  صررررررررخت .. من اعماق قلبها .. من اعماق خوفها..من أعماق حزنها... ساااااااااااعدوني .. اتررررركوني ..
وتسائلت نفسها.. هل يسمع أحد .. هل وراء هذه الجدران  بشر؟؟

واستمرت .. الايادي ..تضرب .. تؤلم .. تجرح ... آاااااااااااااااااااه ... واستمرت هي تصرخ بكل ألم : اتررررركوني ..آاااااه.. بدأت الدماء تسيل على وجهها .. تحاول أن تسير في منفذ .. فيردها أحدهم بكلتا يديه ويرميها نحو الجدار .. لتنصدم به ..آاااه .. أمتدت يد أغلظهم .. نحو وجهها .. وارتفعت لأعلى ..  لتمسك بحجابها من أعلى راسها ..ثم نزلت تلك اليد الغليظة  .. آااااه .. حجابي... يالألمــــــــي... امسكت بيديها على جانبي وجهها .. أرادت ان تلمم وتغطي شعرها .. لكن الايادي استمرت بالضرب  ... يااااارب .. يارب .. ألا يوجد هنا إنسان ..ينقذني .. يساعدني .. أو على الاقل يشهد على  وجعي ..آاه..
وفي شارع  مجاور.. رجل كان يمشي إلى بيته بعد صلاة الفجر...بدأ يتسائل ..هل أسمع اصوات متعاليه ؟... استمر في طريقة والشك أكثر من اليقين .. لكن الاصوات بدات تعلو .. بدأ يحث الخطى .. ليرى مصدر هذا الصراخ المتألم والحزين في الوقت ذاته .. وكم كانت مفاجئته صادمة .. في الشارع المقابل لبيته تماماَ.. فتاة صغيرة السن .. تجاهد الوقوف أمام .. خمسة رجال .. أو اشباه رجال .. فخمسة يستقوون  على فتاة في بداية ربيع عمرها .. هم أشباه رجال بالتأكيد...والسادس يركب سيارة مكشوفة  من الخلف .. ماذا يريد هؤلاء؟؟...مر الحزن على قلبه مع مرور السؤال على خاطره ..
التفت جانباً .. فوجد جاره .. فاشار له بيده يستفسر ما العمل ؟؟... كان جاره متردداً...
آاااااه .. رجاااااااء..اتررررررركوني.. الصراخ .. المؤلم المترجي .. جعل الجار يتقدم .. ويتدخل .. فاخرج احدهم  مسدساً.. واشهره   امامه .. وهو يقول له :ليس يعنيك .. هذه قضية أداب!!...
نظر الجار إلى  المسدس بحقد وعجز وألمممم .. وابتلع كل ذلك بصمت قاهر مخزي .. وعاد إلى ما يظنه انه بيته .. دون ان يغلق الباب ..
بدأ أثنين منهم بجر الفتاة إلى السيارة .. لم تكف الفتاة عن التوسل والبكاء و المقاومة !!.. هنا لم يتمالك رجل الصلاة  .. نفسه .. فسار اليهم  وهو يحاول ان يكلمهم بعقل .. فكان ردهم بإخراج  عدد من البنادق .. حاول ان يصر عليهم .. بان هذا يضرهم .. ويضر سمعتهم .. توارت ابتسامات ساخرة ناكرة لكل خُلق ؟.. وباغته اثنين منهم  بضربة باعقاب البنادق .. ليسقط  هو على الارض ... ويفرون هم .. مع الفتاة المعذبة  .. كل ذلك .. ومازل الفجر الذي كان بداية لحياة.. يشهد على كل ذلك الألم .. كم حزن على ابنته.. أوشك الفجر ان يبكي .. لولا انه خشي ان يكون بكاءه رحمة لمن لا يستحق الرحمة .. من سيحلم بالفجر في كل فجر غيرك يا براءة .. من ستشرق نفسه مع كل صبح غيرك يا براءة .. من سيحمل البراااااااااءة في قلبه ويشرق بها في ابتسامته ..غيرك يا براءة ..
قُتلت الفتاة .. قتلت ذبحاً من الوريد إلى الوريد .. قتلت أكثر من مرة ..
مرة .. تلو المرة ..
ولا زالت  تقتل !؟...هي التي تقول ذلك .. وهي التي تقول ايضاً : لست ميته .. مازلت حية .. ومازلتم تقتلونني مرة تلو المرة ..
كان الفقر قتلاً .. ورضيتموه .. ومازال الظلم قتلاً.. واسكنتموه  في بيوتكم .. والشيطان الاخرس قتلاً .. ولزمتموه...
نعم مازلتم تقتلونني مرة ..تلو المرة ..

القصة مقتبسه بشكل كبير من حادثة فتاة عصر الحقيقية .. لكنه في النهاية اقتباس .. ليس ذكر للحقائق ..و بالأساس لست أظن أن بأن بإمكاني وصف الألم والقهر الحقيقي لهذه الفتاة ولا لأسرتها بأي كلمات ..

مهاجر

جلس خالد ليرتاح قليلاً بعد نهار طويل في فلاحة الأرض لأشجار المشمش، أسند ظهره لساق شجرة منهن عريض   ثم شعر بوخزه قوية في وسط ساقه، فإذا بها...