عالم الرياضيات
عائلة الأرقام(13)
وفي
غرفة الانتظار .. بعدما ما مرت لحظات كاد القلق ان يستبد بوالد ميار
..أخيراً قرر أن يهدأ .. بعد أن بُلغ أن أبنته في الطريق إليه.. جلس على
الكرسي أسند يديه على رجلية .. ثم أرتمى برأسه.. على راحة اليدين .. وأصبح
يحدث نفسه.. ما الذي يحدث يا عبدالله ؟ بدا يستعيد ذكرياته .. من قبل بداية
تكوين هذه الاسرة .. التي هو مسؤول عنها… كانت في البداية الصور تنساب
بهدوء.. ثم تزاحمت الذكريات في دماغه.. ثم ظهر له سؤال قوي .. هل هذا
التوتر فعلاً سببه القلق على أبنتك ؟؟!!..أم أن هناك سبب أو أسباب أخرى..؟؟
أتخشى فعلاً فقدانها؟؟..أم تخشى أن تكون أنت السبب في فقدانها؟؟؟؟؟؟؟
فُتح
الباب فجاءة.. لوم يرفع الأب رأسه إلا وأبنته والأستاذة علياء أمامه.. نظر
إليهما والذهول هو الأغلب على وجهه.. مع وجود لعلامات الإرهاق الدائم
أيضاً..
ابتسم
عامل الاستعلامات (والذي رافق والدها إلى غرفة الانتظار).. وقال : وأخيراً
وصلتي يا ميار ..وربت على كتف عبدالله بعد وقوف الأخير ..
استعاد والدها هدوءه بل ربما و وجومه .. الذي تعرفه ميار طوال سنين مرت .. لم تتفاجأ ..لكن هناك شيء افتقدته..
استغربت علياء لبرودة اللقاء لكنها لم تعلق ..ابتسمت واستأذنت بسرعة ..و كذلك فعل عامل الاستعلامات..
امسك
والد ميار بيدها وباليد الأخرى حمل حقيبتها المدرسية .. حيث كان السبب
لخروجها من البيت (أمام والدتها واخوها ) أن لديها اليوم يوم دراسي إضافي
في يوم الخميس ( للتحضير للامتحانات) ..
وقال: سنسرع بالعودة إلى البيت ..
لم ترد ميار بأي كلمة ..فقط توجهت مع أبيها نحو الباب بهدوء وكأنه أمر اعتادت منذ زمن !
وفي البيت كانت الام تجلس في الصالة "مجلس عربي مرتفع" وهي تنظر باستياء وقليل من التكبر لأبنتها ووالدها الداخلين للتو من الباب ..
عرف
الاب ماذا يمكن أن يحدث ..من خلال خبرته المريرة مع زوجته ..ناول أبنته
حقيبتها وأشار لها بأن تذهب إلى غرفتها ..وهذا ما فضلته ميار فعلاً ..
غضبت الأم لكون الأب سحب منها لحظة المبادرة ومحاولته تجنب الصدام معها.. هو الاخر لم يبطئ في توجهه نحو غرفته ..
تركت سهى أبنتها لتمضي ..وتوجهت نحو الأب..
سهى : أتصلت بك 10 مرات .. والغضب الشديد والحنق واضح في صوتها وتصرفها ..
الأب بهدوء مصطنع وهو يضع بعض حاجياته على منضدة المرآة : كان تلفوني مغلق..
الأم .. لم تصدق كلماته .. فستبحث عن المزيد بالاستفزاز: نعم .. هذه فائدة التلفون النقال ..تتصل بصاحبة 10 مرات .. ويكون مغلق ..
الأب
بهدوء غير معتاد (وإن كان يعرف أن هذا ليس الأسوأ) قال: أممه.. صحيح ..
تصرف غير مسؤول.. ووقف ليعلق جاكيته الرياضي (في العادة عبدالله ليس ذلك
الرجل المتأنق في لبسه) الذي كان يرتديه ..
ارادت سهى أن تحسم الامر ..بفتح التلفون بنفسها ..وهي تعرف انه لا يزال جيب الجاكيت ..لذلك اقتربت بهدوء وثقة.. ومدت يدها للجيب..
اسرع
هو للامساك بتلفونه.. فاجئها تصرفه ..ليس من عادتك يا عبد الله (حدثت
نفسها)..اليوم يوجد شيء غريب فيك .. نظرت إليه بغضب شديد ومقدار من الحنق
..
امسك الاب غضبه المكتوم منذ سنين .. وقال :هذا الجهاز يخصني ..
لم يكن ليخسر شيء إذا تركها تفتحه .. لأنه كان صامت فعلاً .. لكنه كره تصرفاتها ..كرهها منذ أمد طويل ..
رمقته سهى بنظرة غضب وربما حقد وقالت : لم يكن تلفونك صامت ..كل حرف كان محملاً بقنبلة غضب.. قابلة للانفجار في أي لحظة..
تعرف هي مقدار قوتها بل وجبروتها.. ويعرف هو ..ومع ذلك يقاوم ..مضى زمن طويل منذ قام بمثل هذا التصرف ..وتلقي الدرس المناسب..
سحب تلفونه من جيب الجاكيت بهدوء .. و تلك اللامبالاة الجديدة عليه !..وعاد إلى المنضدة ليكمل ترتيب حاجياته..
تابعته
سهى بنظراتها الغاضبة ..وربما فيها مقدار من الاستنكار أيضاً لكن صوته لم
ينطق إلا بالتهديد الغاضب : ستندم .. وتوجهت إلى غرفة ميار ؟!!
سهى
درست الحقوق.. بينما عبدالله إعلامي .. تعرفا في بداية حياتهما .. سهى
كانت ذات شخصية قوية نعم .. لكنها كانت ثابته على الحقوق .. أو هكذا كانت
تبدو.. ومع الأيام .. تحولت إلى شيء أخر .. لماذا ؟.. الظروف .. الفساد
المنتشر في البلاد أكثر من أنتشار ضوء الشمس في شوارعها ربما!.. أسرتها
التي دعمتها في هذا الطريق؟.. طبيعة عملها اساساً.. كثرة المحاولات الفاشلة
.. لها ولغيرها ..للمحاولة .. للسير في الطريق الصحيح ..ربما .. لكن هل
هذا ما يجب ان ننتهي إليه فعلاً إن واجهتنا الصعاب.. على المستوى المهني
..الاسرة ..الزوجة .. أبتسم.. عبدالله بسخرية عندما تذكر الأخيرة.. لكنه لم
يلبث طويلاً حتى عاد لوجومه .. وعادت الأسئلة لتطرح نفسها في مواجهته..
وهل كنت بعيداً عن كل هذا يا عبد الله ؟..هل أنت راض عن نفسك ؟ ماذا حققت ؟
أين الاسرة من حياتك ؟ وأين عبد الله الزوج حتى ؟
لطالما
ضايقته هذه الاسئلة.. لطالما أسرته بطريقة خفية .. فجعلته مستسلماً لليأس
.. وللصورة المشوهة عن نفسه بسبب كثرة تأنيب الضمير.. بل فالنقل .. تعذيب
الضمير ..
واليوم هل يفترض به أن يستسلم لها مثل كل مرة .. أم..
فتحت
الأم باب غرفة ميار ودخلت إليها بقوة وغضب .. باديان عليها .. تراجعت ميار
للوراء قليلاً مع انتفاضة خفيفة من المفاجئة غير السارة.. حيث كانت تقف
بجوار مكتبها الذي وضعت عليه منذ دقائق قليلة حقيبتها.. وقد وقفت في
اللحظات السابقة.. محتاره فيما عليها فعله تجاه ما تتوقع حدوثه من شجار بين والديها .. وإن كان عليها فعل شيء بالأساس .. وإن كان .. في الاساس يمكنها فعل شيء؟
سهى : لماذا لم تخبريني أنك ذاهبه إلى المدرسة ؟ ..غاضبة ..محتدة.. كلماتها تكاد ان تكون أوامر أكثر من كونها استفسار من شدتها ..
ميار بقليل من الارتباك والتوتر مع سعيها لتمالك نفسها: والدي قال أنه سيخبرك ..
سهى بحسم أشد : كان عليك أنت إخباري ..
صمتت
ميار .. أيضاً روح التسلط لدى والدتها معروفه ..كتمت الكثير من الضيق
بداخلها ..أيضاً منذ سنين ..تكاد تنفجر ..لكن ..لا تتوقع ان يكون ذلك
مفيداً ولا حتى لائقاً.. أمسكت بزمام نفسها و خفضت نظرها بزاوية عن
والدتها إلى الارض كانت منكسرة بعض الشيء ..
سهى
: ثم من الذي حدد انك تحتاجين لدروس إضافية ..اقتربت الام من مكتب ميار
وأمسكت بأحد كتبها .. وواصلت كلامها :تظنين أن هذا هو من سيساعدك للمرور في
هذه الحياة ..كانت تلوح بالكتاب أمامها أثناء حديثها
ولم تتوقف بعد : كل ما تحتاجينه هو إطاعة أوامري ..ورمت بالكتاب إلى الارض..
حزنت ميار.. هذا هو ما تريدينه مني .. فقط إطاعة اوامرك .. أخيراً سمعتيها بوضوح يا ميار ..
خرجت الام من الغرفة ..
بقيت
ميار على ماهي عليه.. نظرت إلى الكتاب الملقي على الارض .. أحسته جريح
مُهان متألم ..مثلها هي.. اقتربت منه ..والتقطته من على الارض .. رفعته إلى
المكتب وجلست هي على كرسيها.. نظرت إليه بحزن .. وبدأت تحدث نفسها وكأنها
تحدثه.. كان هذا الوضع أكثر احتمالا من قبل .. قبل رحيل صديقتها المقربة
حنان.. منذ عام والوضع أسواء.. منذ قرار والدي صديقتها بالسفر ليكمل الاب
دراسته .. كانت صديقتها المقربة منذ سنين ..وكان صعباً جداً فراقها
..والاصعب بالنسبة لها.. تكوين صداقة جديدة.. لم تكن لتثق بأحد بسهولة..
كما أن حنان هي التي كانت من بادر في تكوين علاقة جيدة معها .. ومنذ ذلك
الوقت .. اصبحت ميار أقل اهتماما بما حولها .. ودراستها ..لا شيء يستحق
الاهتمام.. لا صداقات ..ولا تعليم حقيقي.. تعلم تماما ان درجاتها لا تعتمد
على المجهود الذي تبذله في هذه المدرسة.. مدرسة خاصة يهمها الارقام العالية
لطلابها .. هههه فما بالك لو أكد على ذلك أولياء الامور.. صورت والدتها
وهي تحدث المديرة ثابته أمامها.. كانت هنا حنان ايضاً مختلفة .. كانت تحب
اللغة العربية!.. وتدرس بشكل جيد.. ابتسمت ميار لتلك الذكرى.. والتي
أبعدتها قليلاً عن حزنها ..لكن ذلك الحزن لم يبتعد كثيراً.. اقتربت من
مكتبها.. تذكرت وداعها لصديقتها .. جلست على الكرسي .. ابتعاد والدها عنها
أيضاً.. قسوة أمها.. وحدتها في البيت ..توالي الافكار زاد من حزن ميار ..
وتسبب في انسياب الدموع من عينيها ..أنزلت رأسها على ذراعها على
المكتب.. وبكت..
بعد
منتصف الليل.. بدأت ميار تفتح عينيها بثقل .. مازال وجهها وعينيها ..
مبللان بالدمع .. كانت تحس بألم واضح في كل جسمها .. وثقل في الاطراف.. بل
أكثر من ذلك .. كانت تشعر بالخدر على وجهها ويديها وقدميها.. اجبرت نفسها
على الوقوف .. فجاءة تذكرت كلمات علياء .. عن الابتعاد عن الانفعال ..
وكذلك الحبتين اللتان في جيبها .. لمستهما بصعوبة بيدها من الخارج .. ورغم
التوتر الذي كانت تشعر به فقد قررت بسرعة شرب الحبتين .. لعلهما يخلصانها
مما هي فيه ..اخرجت الحبتين بيدها الثقيلة وقليلة الاحساس (حاسة اللمس)..
جالت بنظرها حولها تبحث عن كأس ماء.. تذكرت انه يوجد في حقيبتها المدرسية
ما يساعد .. أقتربت من الحقيبة .. شربتهما وهي مرتبكه .. لم يخلو قلبها من
التوتر بعد .. سحبت بقدميها الثقيلتين جسمها المتألم .. إلى السرير.. حاولت
التخلص من زيها المدرسي .. لكنها بالكاد فكت رباط الزي وكذلك ياقات
القميص.. اندست تحت ملائتها.. واستسلمت لنوم ثقيل ..
وفي
الصباح الباكر ..مع الاطلالة الاولى لضوء الشمس على غرفة ميار.. استيقظت
.. كانت متعبة.. لكنها أفضل .. لا خيارات .. ستسرع بتبديل ملابسها .. و
ستذهب إلى مدرستها .. وكأن الوضع طبيعياً تماماً.. فهي لا ترغب بالبحث عن
تبريرات ولا عن أي شيء أخر .. لا لها ..ولا لأبيها ..
وفي
الباص كانت هناك فرصة .. لتذكر تصاعد الأحداث .. رسالة خمسة الغريبة و
المفاجئة .. والمثيرة في نفس الوقت .. الغرفة المستطيلة المضيئة (غرفة
الانتقال إلى عالم الرياضيات) .. الرقم واحد ..وخمسة.. وبيتهم الغريب..
والممتع في الوقت ذاته .. الالعاب المنثورة في غرفة خمسة .. استمتعت
بالزيارة لولا النكبات الأخيرة ..
لايزال
موقع ميار في الباص في زاوية الصف قبل الاخير .. لكنها نظرت إلى الاشخاص
المحيطين بها فيه نظرة مختلفة .. أكثر اهتماما.. أكثر إحساساً .. ربما ..
وفجاءة
تذكرت ان الحصة الأولى.. رياضيات ..ابتسمت قليلاً وهي تنظر أمامها إلى
نهاية الطريق المؤدي للمدرسة .. وبدأت تفكر ستكون أمتع من ذي قبل
..
-------------------------------------------------------------
عالم الرياضيات (14) : http://moattn-2011.blogspot.com/2013/02/14.html
عالم الرياضيات (توضيح + فهرس) : moattn-2011.blogspot.com/2013/02/6.html
-------------------------------------------------------------
عالم الرياضيات (14) : http://moattn-2011.blogspot.com/2013/02/14.html
عالم الرياضيات (توضيح + فهرس) : moattn-2011.blogspot.com/2013/02/6.html



