السبت، 2 فبراير 2013

القاضي


جلس القاضى على كرسيه المريح ومد على طاولته .. التى اعتاد ان يقرأ عليها قضاياه.. خريطة الوطن العربي .. كان نظرة مركزاً على الخريطة..ثم أغمض عينيه .. وتسأل : أما من محاكمه لهذا الوضع ؟


-
وتكون انت المتهم ؟
فتح عينيه بسرعة ودهشة تلفت يميناً ويساراً يبحث عن المتحدث.. انه هناك .. على الطاولة.. يجلس متربعاً على الخريطة
..
قزم .. قبيح ..سمين.. يملأ السواد عينيه.. ليس لوناً بل.. كرهاً.. وحقداً لاحظ صاحب الصوت اشمئزازالقاضى : قبيح إلى هذة الدرجة .. وكيف تتوقع ان تكون ذنوبك !؟ حاول القاضى ان يسوعب الوضع بسرعة وان يدخل في صلب الموضوع : قلت .. انا المتهم .. سنرى ... انا القاضى و المتهم .. وسيدافع المتهم عن نفسه .. وانت النيابة .. موافق ..

 صاحب الصوت ( أو النيابة) بجمود : موافق القاضى : تفضل ما دعواك ..؟
النيابة ( الذنوب ) : أغمض عينيك ايها القاضى .. المتهم .. تذكر هذا الموقف أغمض القاضى عينيه .. هناك خيالاً بعيداً .. بدأت الصورة تتضح .. طفل.. مجرد طفل ..  النيابة ( الذنوب ) : باعتقادى انك قاضى ممتاز .. لذلك لن تتسرع في إنطباعاتك .. وأحكامك ظهرت على وجة القاضى علامات الأستغراب .. النيابة ( الذنوب ) : لا تستغرب .. أنسيت انى ذنوبك .. أى انني جزء منك .. يمكنني معرفة ما تحدث به نفسك و الأفكارالتى تجول في مخيلتك .. عد إلى الصورة اخذ القاضي يتأمل في الصورة .. بدأت تتضح أكثر .. الان .. طفل يمشي في الشارع و في يدة علبة عصير .. الطفل يشرب العصير .. وعندما كانت العلبة فارغة . . رماها .. في .. الشارع القاضي : أمم مم .. عمل سيء .. لكنه طفل .. لا يمكن محاكمة طفل النيابة ( الذنوب ) : مابك ايها القاضي انه طفل .. وماذا عن من كان في الشارع القاضي .. من كان في الشارع .. شيء يظهر الآن في الصورة .. أنه ..: أناالنيابة ( الذنوب ) : أنت و غيرك ..ما من أحداً كلف نفسه .. بتوجيه هذا الطفل إلى الصواب .. ولا حتى بنظرة .. ولا حتى بدعاءصادق .. هل أستسهلتم .. ؟ ثم  أضاف بتقزز ..
 أم أعتدتم ..على مثل هذه الأقذار .. ؟؟

 

بدأ القاضي ( المتهم ) يتوتر.. النيابة ( الذنوب ) : طبعاً هذة ليست المرة الوحيدة التي حصل فيها هذا الموقف .. و الذي هو مجرد بداية  .. مجرد بدااااية ..
واصلت النيابة ( الذنوب ) في عرض دعواها وقد رفع صوته : بالتأكيد تعرف كم تسبب هذه العلبة من خسائر .. تلوث للبيئة .. صحة الناس تسوء .. انتاجيتهم تقل .. إسائة للمظهر العام للدولة ..سكت.. مالت رقبته لكي تدفع بوجهه إلى الأمام ثم تابع بهدوء خبيث : الأسلامية نظر النيابة ( الذنوب ) إلى القاضي فوجد طيف القلق و التوتر ظاهراً على وجهه بل ربما قد غطاه كاملاً القاضي ( المتهم ) : علبة عصير النيابة ( الذنوب ) : أيها القاضي .. عذراً ..أيها المتهم .. لاتقلل من شأن علبة العصير .. لأن المشكلة ليست فيها وحسب .. إن الأمر يتعدى ذلك .. ضيق عينيه وتابع : أنتشار هذا السلوك .. الامبالاة .. عدم الأحساس بالمسؤلية

- قف

القاضي : هذا صوت مختلف .. انه عذب..هل أفتح عيني .. رد الصوت العذب.. بحنان .. ونعومه.. تبعثان الطمأنينة : أفتحهمابدأ القاضي يفتح عينيه .. تسلل إليهما نوراً جميل ..ألتفت إلى يمينه ..حيث مصدر الصوت رااااااائعه .. سبحان الله .. أهكذا هو جمال  الحور العين …إلا أنها صغرة .. في حجم عصفورصغير ..!! ثم أخذ يفكر قليلاً .. هذه ذنوبي ..و .. محكمة
تكلمت صاحبت الصوت العذب : إن كانت تلك سيئاتك .. فأنا ..القاضي : حسناتي .. ألتفتت الحسنات إلى النيابة ( الذنوب ) وهى منتصبة : قبل ان تستمر في دعواكلم يتحرك فيها سوى ما يجب عليه ان يُكون صوتها ..نظر القاضي إلى عينيها فوجدهما قد زادتا أصراراً وقوة و ضياءً عما كانتا عليه قبل.. لحظة ..
تابعت الحسنات كلامها : يجب ذكر عدة أمور .. النيابة ( الذنوب ) بضيق وتأفف : ماهي ..الحسنات ( والتي يبدو انها اخذت دور المحامى ) : مع أهمية السلوك العام للناس .. لكن ومع الأسف الشديد .. تصرف هذا الطفل .. تصرف شائع .. النيابة ( الذنوب ) : أهلاً.. تبررين.. ثم انه لست .. سوى .. مجرد .. بداية ..
الحسنات ( أو المحامي) : لست أبرر.. أنا أفسر .. لكي يكون الحكم عادلاً .. أنتشار مثل التصرف المذكور .. يُصعب من محاولة أصلاحه أو النصيحة .. وثمة أمر أخر .. أبناء القاضي .. هل تصرفوا كذلك الطفل ؟.. لا .. أحسن القاضي تربيتهم .. وكان قدوة جيدة .. و هذه أيضاً .. بداية

 
أرتاح القاضي أحس بذلك في كل عضلات جسمه النيابة ( الذنوب ) : مع ذلك كان يجب ان يكون له دور مادام كان متواجداً في ذلك المكان ..أين أضعف الإيمان ؟ أوشكت المحامي ( الحسنات ) على الحديث إلا ان صوت القاضي كان الأسبق : أعترف .. لقد اخطأت ألتفتت المحامي ( الحسنات ) إلى القاضي وقد أغرورقت عيناها بالدموع : أيها القاضي .. انما قلته ليدل على نفس صادقه ..لم تكمل كلماتها حتى علا صوت النيابة ( الذنوب ) : الأعتراف … إذاً ماهو العقاب المناسب .. أيها القاضي غطى القاضي بيده اليسرى عينيه وأركن رأسه إليها وركن بكليهما إلى طاولته .. ضغط بأصابعه على جانبي عينيه في حركه دائرية ..وهو يفكر في العقاب..القاضي : أستغفر الله .. أستغفر الله و أتوب إليهأنسكبت دموع القاضي على خديه .. وأستمر : أستغفر الله و أتوب إليه من كل الذنوب والخطايا….نظرت الحسنات إلى مكان الذنوب .. أبتسمت .. عادت بنظرها إلى القاضي قالت بصوت جداً منخفض بالكاد صمعته شفتيها : أختصرت الكثير  ..

 

أرتفعت إلى أعلى .. دارت حوله عدة دورات وهى تنخفض .. و دخلت إلى قلبه أحس بالفرح و الصفاء يملأ قلبه .. بل كيانه .. أبعد يده عن وجهه .. مسح دموعه .. نظر إلى الطاوله .. : أين .. أين ذلك الكائن .. لا أثر له لكنه سمع صوت الحسنات هذه المرة يقرأ قوله تعالى : ( قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم )

 

صوتاً هادئ كان ينادي و يد حانيه تهز كتفه برفق : أيها القاضي .. أيها القاضي ..

 

أستيقظ القاضي .. و بدأ في رفع رأسه الثقيل من على ذراعيه ببطء .. أحس ببروده في وجهه .. فمسحها  ..

 

أستغربت لتلك الدموع زوجته و قلقت قليلاً .. : ما بك ..؟

أبتسم القاضي .. : أفضل مما كنت .. و هذه مجرد بداية ..    


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

مهاجر

جلس خالد ليرتاح قليلاً بعد نهار طويل في فلاحة الأرض لأشجار المشمش، أسند ظهره لساق شجرة منهن عريض   ثم شعر بوخزه قوية في وسط ساقه، فإذا بها...