الأحد، 28 يوليو 2013

نفوس مترقبة






الساعة السابعة صباحاً ..
خرج علي من بيته برفقة ابنه الأكبر خالد .. دخل سيارته وشغل المحرك  للتسخين .. بينما ذهب خالد لفتح الباب الخارجي ..شرد على للحظة.. ومرت بعض الخواطر بباله.. مدرسة خالد بعيده إلى حداً ما .. يصعب ايجاد مدرسة جيدة  للأولاد .. لذلك لابد من التضحية وحرق البنزين لايصاله كل يوم !
صعد ابنه إلى جواره وانتظرا قدوم شقيقة غمدان المتأخر دائماً  .. خرجت من بيت الجيران سيارة جديدة متألقة..أخذ خالد يتأملها .. ثم بدأ يكلم أبيه عنها ونبرة الإعجاب واضحة في صوته : جيراننا  اشتروا سيارة جديدة.. بكم يمكن أن تكون !؟؟
الأب : جيراننا حصلوا على سيارة جديدة يا ابني .. لم يشتروها .. ثم نظر إليها هو الأخر من بعيد وهو يحاول تقدير السعر وقال :  تسعة ..عشرة مليون ..   
التفت خالد لأبيه مندهشاً لما قاله.. فسأل مستفسراً : لمَ ؟!
الأب بقليل من السخرية  الحزينة : من أقارب الوزير ..الذي عينته الثورة ..

استغرب خالد من ذلك وغضب قليلاً , وفي تلك اللحظة  صعد غمدان إلى للسيارة  ثم أغلق الباب .. بقوة,ألتفت والده إليه  وفي نيته أن يوبخه لكن  وجه غمدان البرئ والمدرك لخطئه المتكرر .. جعل علي يتراجع عن ذلك و اعاد  أنتباهه لقيادة السيارة  بعد أن نبه ابنه بأن لا يكرر مافعل بإشارة من يده ..خرجوا إلى الشارع  ومروا  بجانب الجار ..حياهُ علي وهنأه  بإبتسامة عريضة .. يعلم خالد أنها ليس نابعة من القلب .. قلب خالد هو الأخر تاذى..

بخطوت واسعة وهادئة الغضب كان خالد يسير في ساحة مدرسته, ومازال الغضب المكتوم يتصاعد بداخل نفسه, وأسئلة تطرح نفسها .. هل ذهبت أرواح الشهداء هباء ؟..هل خضبت الشوارع بالدماء دون جدوى ..هل فزعت الأمهات وتألمت .. لكي يكون ذلك كله بدون سبب ؟؟!!

تمهل يا خالد .. تذكر أن هناك قرارت جيدة حدثت لا يمكن نكرانها ..قد لا يكون هناك ما يستدعي كل هذا الغضب!...قرارات جيدة أُصدرت ونفذت ..نعم .. لكن هل هي بالقدر الكافي .. وأما بالنسبة لما يستدعي؟! .. هل هي  سيارة الجيران فقط ؟؟.. أم الفساد الذي ما يزال متبجحاً ..أمام الجميع..

للأمانة خف تبجحه .. أه.. صحيح .. كل ما مررنا به .. ليخف تبجحه .. ولتزداد الوعود الكاذبة .. كأنهم يريدون منا العيش في أحلام  لا تتحقق أبداً..

فجاءة ظهر محمد صديق خالد وبادر بإلقاء التحية : السلاااااااااام .. عليكم..
كان خالد منزعجاً لكنه رد التحية  بافضل منها : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. أراد أن يكلم صديقه بما في نفسه ..

تررررررررررررن ... تررررن .. هه .. جرس بداية الطابور .. استطف محمد في الطابور وتبعه خالد .. قرر خالد تاجيل حديثه لوقت اخر .. وتهدئة غضبه كذلك .. في الوقت الحالي علينا الاستمرار بإنجاز اعمالنا بأفضل أداء  ..

بعد صلاة العشاء ..

أخيراً ستجلس أمة العزيز لتأخذ قسطاً من الراحة بعد يوم مرهق .. نظر إليها علي وأراد ان يفاتحها في موضوع ما ..

وفعلاً بدأ كلامه : أخي حسين جاء  من السفر .. آه .. تعرف أمة العزيز  معنى ذلك .. سيطلب منها دعوته على الغداء بعد 6 سنين غربة .. لابد من شيء كهذا.. نظر علي إلى زوجته نظرة ذات معنى ولم يتكلم .. كان يقصد ما تفكر به !... أنزعجت  قليلاً وقالت : تمام ادعوه للغداء يوم الجمعة ..ونهضت لتحضير العشاء ..
اسند علي  ظهره للوسادة ورائه .. ارتاح لموافقة زوجته للدعوة .. لكن مازال عليه أن يهتم للمصاريف الزيادة ..ليس بخلاً يهتم علي بهذه الامور المالية .. لكنها الرواتب الصعبة .. ومحاولة موازنتها مع الاسعار الأصعب .. عموماً لن يكون هناك ما يستدعي شغل البال .. ستتدبر ..
في اليوم التالي ..
وسط الفصل الأول ثانوي لمدرسة خالد.. المدرس يتكلم عن أهمية التعليم في تغيير حياة الفرد .. وأن طلب العلم قد تكون مهنة إن قرر أحد الطلاب التخصص في المجال الأكاديمي ..وعلى هذا ....
حمود يتدخل بصوت مرتفع مزعج إلى حداً ما من طرف الفصل : لكن يا استاذ ليست الامور بهذه الطريقة؟؟..ليس بالتعليم يتحقق طريق النجاح ..  يُعرف عن حمود  أنه طالب تجتمع فيه سذاجة القرية وقدر من الغباء (الصفة الأخيرة لست من صفات أهل القرية بالتأكيد) .. كما يعرف ايضاً عن حمود أن أفضل قرار بالنسبة له هو مجاراة الواقع كيف ما كان ذلك الواقع ..  
انزعج الاستاذ ورد بتوتر : إذاً بأي طريقة ..
حمود بإبتسامة سمجة : بالوساطة ..
الاستاذ بضيق وقليل من الإحراج :  ومع ذلك نتمنى أن يتغير ذلك مع الاوضاع الجديدة..
تدخل سعد من الصف قبل الاخير في الفصل بقوله: تتغير للأسوأ يا استاذ ..لم تخلو نبرته صوته من لئامة واضحة .. خالد طبعاً .. متوقع هذا الكلام .. فسعد من فئة المستفيدين الكبار والخاسرين لتلك الفوائد مع قدوم النظام جديد ..
محمد زميل خالد المقرب يلتفت إليه ويجيب بهدوء وقوة: تفائلوا بالخير تجدوه ..
وليد زميل سعد المقرب بسخرية : قصدك المقربون من الثورة يجدوه .. هااااااااهاااااععع .. هااااع .. وانتشر الضحك في الفصل ..
نظر محمد لزميله خالد نظرة ضيق  ثم ابتسم بإستياء قبل أن يعتدل في جلسته .. يتفهم خالد ضيق محمد .. يسند خالد ظهره لكرسي ويخطر في باله تساؤل ..إلى أي حد خذلنا هؤلاء الكبار ..
ضرب الأستاذ الطاولة التي أمامه بالكتاب بقوة, ليوقف الضجيج في الفصل وعاد ليتكلم : مهما كان ما يزال التعليم خياراً جيداً لمن يرغب .. وتوجد عدة طرق لتحقيق مبتغاك, وطبعاً من الصعب إغلاق الباب أمام الجميع لذلك مايزال هناك فرصة .. إلى أن تتحسن فعلاً الاوضاع ..نعود للدرس..
وفي الفسحة .. يتجمع محمد وخالد وأصدقائهما .. أحمد .. سليم .. وعلي ..
سليم : لم الشكوى .. هناك من خسر ماله في الظروف الماضية .. من الوارد أن يُعوض..
محمد : من الواضح أن الموضوع .. أكثر من مجرد التعويض .. لو كان ماقلت فقط ..لكانت هانت ..
احمد : هناك من خاطر بحياته ..
علي : الشعب اليمني أكثر من خاطر بحياته .. وبالمناسبة هناك من فقدها فعلاً..
خالد بحرقة : وعلى أساس أن الكل واجه الموت لأجل إقامة العدل .. ليس لانتقال الفساد من كفه لأخرى ..
أحمد : لنكن صريحين .. هناك من ابى أن يتحمل المسؤلية وهو على قدر من النزاهة .. في هذه الحالة ستضطر لحلول آخرى .. ألمت الجملة الاخيرة خالد.. فوالده مع الاسف من ضمن هؤلاء ..
ظهرت ملامح الانزعاج على خالد ..
لاحظ محمد ذلك فرد مسرعاً: لن يفنى الرجال الكرماء .. يا أحمد..
علي : معك حق يا محمد .. لكن قد تكون مثل هذه الامور تحتاج لوقت ..
هز الجميع رؤوسهم مؤيدين .. ربما كانت تلك هي نقطة جيدة للتوافق ..  كان وقت الفسحة على نهايته لذلك توجه الجميع نحو الفصول ..
 محمد وأحمد وعلي وسليم .. كلهم من أسر ايدت الثورة بقوة .. خالد كان في موقف الحياد بسبب والده .. كل هؤلاء  لايتوقع أن يكون خيارهم الصمت إن استمر الفساد الذي خرجوا لرفضه في المرة السابقة ..

وفي يوم الجمعة ..

 ابتسم علي بصدق وشوق مرحباً بأخيه : حيا الله من زارنا بعد طول سفر .. و أخذ شقيقه الأصغر بالأحضان - وإن لم يكن الفرق بين الأخوين كبير- تبعه خالد ..بالترحيب والسلام على عمه ..
 ترحيب خالد أكثر هدوئاً .. لكنه يعوضك  بالود الكبير في ابتسامته وكلماته.. قليل من الذكريات مع هذا الفتى .. كان اخر مره لايزال طفلاً.. حسين يكلم نفسه ..
علي يواصل ترحيبه بقوله  : تفضل .. تفضل .. وهو يشير بيده إلى غرفة الاستقبال ..
أسرعت أمة العزيز لترحب هي كذلك بالضيف : حياك الله يا حسين .. الحمد لله على السلامة ..  التفت الجميع بهدوء للصوت .. ورد حسين باحترام وتقدير لزوجة اخيه .. ثم  دخل الجميع غرفة الإستقبال ..
لم تستوي جلسة حسين بعد .. حتى أسرع غمدان ابن اخيه بمهاجمته .. قبل ورحب وتعلق برقبة عمه .. وانهمر عليه بالاسئلة والاستفسارات و الحكايات كذلك !.. طبعاً لم يستوعب حسين أي منها لكثرتها ..
اندهش علي لتصرف ابنه ..على أساس .. لم تكثر المعرفه بينهما – أخر مرة شاهد فيها غمدان عمه كانت من قبل 6 سنوات !- : ياولد .. يكفي .. احرجتنا .. ومد يده ليمسك ابنه دون عنف ..أترك لعمك المجال ليتنفس على الأقل ..
كان حسين يضحك من تصرف ابن اخيه .. ولهذا الترحيب المفاجىء والساخن في نفس الوقت .. وهو يقول لأخيه : دعه أنه طفل .. ثم ضمه بقوة.. وقبله في عنقه.. وتركه وقد هدأ قليلاً .. وإن كانت نظرات الإعجاب بعمه الغني والرائع لامعة في عينيه.. هنا ظهرت عُلا الصغيرة – عامان -  سلم عليها عمها بلطف ..
انتهت مرحلة الترحيب المهمة ..وبدأ الاخوان حديثهما الهادئ .. خالد يستمع من بعيد دون تدخل..غمدان يلعب بضجيج محتمل بسيارته الجديدة..

 أراد حسين أن يعرف أكثر بعض انطبعات أخيه عن بعض الامور :  همه .. ما أخبار ثورتنا ؟
علي :  في خطواتهاالاولى .... مثلها مثل بنتي علا.. تخطو وتتعثر..
 حسين : من يتعلم المشي من دون عثرات!
ابتسم علي واليأس يطوف حول ابتسامته : ممكن..المهم أن لا تتعرض لكسور مزدوجة ..
فكر قليلاً حسين وقال : بظني .. أن الحرب الاهلية مستبعدة بعض الشيء .. في هذا الوقت ..
واصل علي بسهولة : معك حق .. بقي الخوف من هشاشة  العظام المبكرة ..
استغرب حسين من استخدام اخيه للألفاظ المرضية .. ووجدها مضحكة .. لكن متوافقة .. صحيح أكثر ما يمكن أن نخشاه في الوقت الحالي .. الفساد من الداخل ..  
أكمل علي كلامه وقد مد يده إلى ذراع أخيه : ما يستدعي القلق أكثر مما يؤدى  للأمان يا أخي .. الان دعنها هذه الأمور ولنذهب لتناول الغداء .. وسحب يده بهدوء ليتوجها معاً للغداء..
ابتسم حسين لكلام أخيه وإن كان في نفسه الكثير ..عموماً.. سيلتقي باشخاص أكثر في الايام القادمة .. ليقرر كمية القلق المناسبة لهذه الفترة .. ومتى يجب أن تتحول لعمل ..
جلست أمة العزيز على الأرض – مفروش بموكيت بسيط -  في المطبخ .. لتاخذ بعض الراحة .. تمسك ابنتها عُلا لكي لا تزعج الضيوف..ثم ابتسمت وهي تتذكر ما فعله غمدان من فرط اعجابه بعمه .. ربما لم يره منذ مده  صحيح .. لكنه يسمع الكثير من الثناء عليه من عدد من أفراد عائلته الكبيرة .. أولهم أبوه وثانيهم جدته و اخرون.. تسهو أمة العزيز.. لتتذكر .. أيام صعبه مرت.. و مساعدة  حسين لأخيه ..التي كانت مفيدة جداً وقت ذاك .. ابتسمت وهي تقول لنفسها .. من المفيد ان يكون للمرء أخوة متفاهمون .. ودعوته اليوم جزء بسيط للحفاظ على هذا الترابط المهم بينهم .. و ليس من باب المقايضة  .. لكن لاستمرار الود يجب على فرد القيام يما يستطيع فعله..
اكمل الجميع غدائه .. وقرر العم المغادرة .. وقت ذك أراد علي مرافقه اخيه لوداعه لكن حسين طلب منه ان لا يفعل .. أصر علي وأصر حسين .. فكان خروج خالد لوداع عمه .. هو الحل المناسب لكل الاطراف.. وفي الطريق القصير دار حديث قصير بين العم وخالد ..
العم : نعم .. يا خالد .. ما أخبارك ؟؟..كيف الدراسة ؟!
خالد : بخير والحمد لله ..
العم : ومدرستك ؟؟
خالد : مدرستي جيدة .. بل أكثر من جيدة ..
يعلم حسين أن مميزات أخيه .. حرصه على التعليم الجيد  لأولاده ..
حسين وهو ينظر لأبن اخيه بمشاكسة ويبتسم : والسياسة ..
ابتسم خالد ابتسامة هادئة .. وإن كانت توحي عن حزن خفيف يرغب خالد بإخفائه  : السياسة  ممنوعة طبعاً ..
يعرف حسين أيضا أن من عيوب أخيه .. بعده الكبير عن كلمة شجاعة لكنه لن يزيد من ضيق ابن اخيه فقال له : والدك يخاف عليك .. 
خالد : أكيد ..لكن ..وصمت تجنباً لكي لا يؤذي أبيه ..
لكن حسين يريد أن يسمع ليس فضولاً لكن ليخفف عن ابن اخيه : هممممه تكلم ما بك ..
خالد: والله إن الفرد كان ليستحي .. مظاهرات واعتصامات ..وشباب في الساحات.. وأنت تختبيء في البيت ..تطلب الأمان لنفسك .. وتنسى .. او تتناسى أن الامان لن يكون إلا لبلدك .. لكي يصل إليك ...
أحس حسين بمشاعر ابن اخيه .. واعجب بكلامه..
حسين : لازلت صغيراً يا خالد .. الايام ستجعلك تكبر .. وتترك لك الفرصة لتحقيق ما تريد.. فقط حاول أن تستغل أيامك الحالية كما يجب ..
هز خالد رأسه موافقاً...وقال: إن شاء الله ..
حسين: ليس كل الناس يحققون ما يريدون تماماً يا خالد .. وعمك مثال على ذلك ..لم ندخل الساحات إلا للسياحة .. ابتسم ابتسامة محرجة قليلاً عند قول جملته الاخيرة ..

 يعرف خالد جيداً ان عمه ايد الثورة في البلد الذي يعيش فيه ..ويعرف أيضاً انه الشخص الناجح في دراسته و عمله وهو الثابت على دينه وقيمه و مبادئه..  بالرغم  من  كل هذه السنين  التي مرت في الغربة..ويعلم أيضاً أن أنتقاد العم لنفسه ليس إلا من باب المثابرة  والرغبه في الوصول للأفضل ..ولكل ذلك هو مستحق لاحترام الجميع..
واصل حسين : لكن مازلنا نحاول ..
أبتسم خالد .. وهو راض عن عمه ..
يواصل حسين كلامه وهو يمسك بذراع خالد ويضغط عليها ليؤكد ما يقوله : دراستك يا خالد  .. ربك .. يا خالد ..
هز خالد رأسه ..بهدوء..وقناعة.. 
ودع حسين الشاب اليافع  .. وودع خالد  قدوته القريبة .. بابتسامة تواصل وترقب..







 
 






مهاجر

جلس خالد ليرتاح قليلاً بعد نهار طويل في فلاحة الأرض لأشجار المشمش، أسند ظهره لساق شجرة منهن عريض   ثم شعر بوخزه قوية في وسط ساقه، فإذا بها...