الخميس، 12 مايو 2022

مهاجر


جلس خالد ليرتاح قليلاً بعد نهار طويل في فلاحة الأرض لأشجار المشمش، أسند ظهره لساق شجرة منهن عريض  ثم شعر بوخزه قوية في وسط ساقه، فإذا بها نملة صغيرة تسعى لرزقها وامتدت ساق خالد عليها بل نملتان،الثانية محملة بالغذاء،لفت نظره حجم  الفتاتة التي تحملها النملة، أكبر من حجم نصف النملة بقليل! ابتسم لجهد هذه النملة لأجل رزقها  ثٌمَ عاد ليفكر بحل وضعه المالي الصعب، فكر بالانضمام إلى أحد الطرفين المتحاربين، لكنه خشى فتنة الأخوة، لم تبقى له سوى اختيار واحد...الهجرة وهي الحل الوحيد الذي يمكن أن ينجيه من الظروف المحيطة فلا هو راغب بالاشتراك في طاحونة الحرب ولا هو قادرعلى البقاء في بلده..أنا لا أسافر لتسول المال ..بل لأعمل وأكد ، الحياة هنا ضاقت علينا كيف لي أن أواجه أطفالي في المستقبل القريب إن لم أبذل قصار جهدي لتوفير وضع مالي أفضل لهم، لن يكون جهدك أقل من النملة التي تحمل غذائها ياخالد.

انتظر خالد خلود أكبر أولاده للنوم ليخبر زوجته بأحدث قراراته 

خالد:خلال أسبوع سأهاجر.

إيمان بخوف:ولمن ستتركني والأولاد.

صمت خالد ليس بسبب عدم ثقته في أخوته، بل لأنه يعرف حالتهم التي تشغلهم عن أي أعباء إضافية، ثم تذكر المدخول المادي من بلد هجرته.

فقال لزوجته سأرسل لك ما يكفيك.

إيمان:غيابك عنا لا تعوضه استلام الحوالات.

أدرك خالد أن هناك سبب لمعارضة زوجته: قولي الحقيقة  ما الذي تخشينه؟

إيمان وقد هون عليها أن زوجها عرف تخوفها: أخشى الهجرة غير شرعية ..قد تكون عواقبها وخيمة.

خالد:لا داعي للتشاؤم.

إيمان:ابن عمة أمي عاد لزوجته ،قبض عليه وطرد من البلد الذي هاجر إليه.

رد خالد بغضب : ما أسوأ اختياراتك ورمى وسادة كانت قريبة منه ناحيتها ثم نهض وخرج من الغرفة صاعداً إلى السطح، لطالما كان هذا المكان ملجأ خالد منذ سنين المراهقة، فهو يوفر منظر بديع لنجوم منثورة في السماء كفصوص الألماس والبدر ينشر إضاءته على الأرض كمفرش فضي من الحرير، مكان كهذا مناسب لتصفية النفس ومراجعة القرارات.

جلس خالد في زاوية السطح وهو يحدث نفسه زوجة تملؤها المخاوف، كأنها لا تعرف ضيق الحال، وخمسة أفراد في غرفة  واحدة ،الأب والأم والأبناء، هذا غير المتطلبات الأخرى، المأكل والملبس كلها لا تتوفر إلا بصعوبة، وحالة أخوتي أسوأ من حالي أو أفضل بقليل ،فكلنا وارثون لهذا البيت القديم، لم يكن بالأمر السهل إتخاذ هذا القرار، هل تظن أن دخول هذه المخاطرة بالأمر الهين، لكن كيف لي أن أغير هذه الحال بدون خطوة فيها مجازفة!

أخذ نفس عميق عدة مرات وبدأ يتأمل البدر وقال له ماذا يا وسيط وهج الشمس إلينا؟ هل من حل غير الذي عزمت عليه؟ يا ضياء القمر هل هناك مصدر للنور مختلف؟ غيرالرحلة الخطرة ..أنا أيضاً أخشى خسارة ما أملك في هذه الرحلة وأعود مُنكس الرأس خائب الأمل،فتزازد حالنا بؤساً على بؤس، فلا الغني وصلوا إليه ولا أب تم الحفاظ عليه، خيال امرأة عند الباب وطفل صغير يجري ناحيته، إنه ابنه الصغير علي اقترب من والده ببطء ثم مد يده ليمسك بنطال أبيه من أسفل الركبة، ضمه خالد و أجلسه على حجره.

خالد:ما رأيك يا علي لو صدقنا مخاوف أمك وجمدنا قرار الذهاب إلى رحلة الشؤم لبضعة أشهر؟ ما البديل ؟هذا هوالسؤال المُلح.

ظهرت إيمان أخيراً بالقرب منه وقالت:إذاً ستذهب يوم غد وقلبي مطمئن عليك للحقل.

خالد:أُذكركِ أن المصيبة قد تلتف وراء أكثر الأماكن أمناً.

إيمان:السير بين بيتين على الأرض غير المشي على حبل من السطح إلى السطح.

خالد: أخشى أن البقاء هنا هو الاختناق بحبل مربوط على سطح البيتين.

دخل الحزن نفس إيمان مع ذلك لازالت تكابر: هل هذه حياتنا بين موت محقق أو موت محتمل؟

صمت خالد طويلاً والهم والغضب يملأه غضبه وعقله يقولان له هاجر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

مهاجر

جلس خالد ليرتاح قليلاً بعد نهار طويل في فلاحة الأرض لأشجار المشمش، أسند ظهره لساق شجرة منهن عريض   ثم شعر بوخزه قوية في وسط ساقه، فإذا بها...