جلست زُّهَرَةُ أمام المرآة ..عينان صغيرتان غائرتان وأنف طويل وفكين عريضين
متقدمين، وجه دميم وبشرة سوداء، تذكرت تعليقات زميلاتها في المدرسة
ـ من أصول أفريقية؟
ـ كيف حصلتي على هذه البشرة السمراء؟
ـ لو أن عينيك أوسع قليلاً…
واصلت زُّهَرَةُ حديث النفس فعلاً لو أن المرء يختار هيئته، طرقات خفيفة على
الباب غالباً أباها فأمها مشغولة عنها …
زُّهَرَةُ :
أدخل
دلفَ الأب عماد إلى الغرفة وقد لاحظ الضيق الذي تكتمه. ابنته فسألها: هل ترغبين بتغيير
المدرسة ؟
زُّهَرَةُ:
لا ..مطلقاً.. مجموعة المدرسين
هي الأفضل في العاصمة
اطمأن الأب لاختيار ابنته ثم بادرها بسؤال آخر : استلمتِ نتيجة
الكيمياء؟
نهضت زُّهَرَةُ لتعطي أباها ورقتها، نظر الأب إلى الورقة وقال: رائع الدرجة
الكاملة
زُّهَرَةُ:
أنا الوحيدة من بين الثلاث الشعب .. لكن …
انتظر الأب لدقيقة ثم قال : أنا استمع ماذا بعد..لكن….؟
زُّهَرَةُ :
البعض ينزعج من مراجعتي للمدرس في حل كل .. تقريباً كل أسئلة
المنهج
الأب : لا تشرحي
ما هو واضح.. طالبة في
الثانوية العامة وشغوفة بمادة الكيمياء، البعض الذي تتكلمين عنه لن يرضى عنك ..مطلقاً ..مهما فعلتِ، فخور
بإدراكك لأهمية الجانب التعليمي من مدرسة الحياة وتميزك فيه ..لكن…..
ضحكت زُّهَرَة ُ ..ثم قالت : أنا استمع ..ماذا بعد ..لكن؟
ضحك الأب وقال: ظننتُ أنك ستتفوقين في الهندسة كأباك فإذا بك متفردة في
الكيمياء ..لم يصعب
عليك وزن أي معادلة ولم تقل درجتك عن الامتياز فيها وهذا ملفت حقاً!
أزال الأب غُمة زُّهَرَةُ مع ذلك هناك شيء غريب ،طريقة مسكه للورقة ..لمْ يثني أصابعه
؟!!
●
بعد 4 أشهر
رمت الزوجة نرجس مفاتيح البيت على الطاولة بعد عودتها من جلسة نسائية وهي تسأل
زوجها: هه.. بماذا نصحك
الطبيب
أجاب عماد مقتضباً : بالسفر
نرجس: أممممه ..هذا ما كان
ينقصني مرض بلا علاج .. روماتايد و أضافت ساخرة يبدو أن شبابك يتضائل بسرعة يا عماد
عماد بطبيعته صبور لكن نرجس هذه المرة صارت وقحة ، زوجته حسنة المظهر و مدللة
بعكسه تحمل المسؤلية مبكراً بسبب يتمه ولهذا قرر أن لا يترك ابنته وابنه غسان ضحية
التفكك الأسري خاصة وأن ارتباطه بنرجس جاء بعد إعجابه المُفرط بها في بداية شبابه،
ظن أنها ستتغير…
تدخلت زُّهَرَةُ في الحديث لمنع الأسوأ :إلى أين سنسافر؟
دون التأكد من تعمد تصرف ابنته فقد التفت ممتناً ورد عليها بعدم تركيز: إلى أيجه
استغربت زُّهَرَةُ من الموقع وسألت: وما أيجه؟...نهر أو بلد أو
قارة ..ضحكت مع
الكلمة الأخيرة
ابتسم عماد لابنته وقال: أقليم ..مجاور لبحر أيجه..بالضبط سنتوجه
إلى مانيسيا ..
مدينة تزرع الكرز الثمين
تفاعلت معه زُّهَرَة وسألت طلباً للمزيد: وماذا غير الكرز؟
لم يتوقف عماد عن التبسم لقرة عينه ويواصل إجاباته: يقال أن بها تنوع
زراعي مدهش.. هذا غير
حكايات وقصص عن تاريخ قريب
صفقت زُّهَرَةُ فرحاً: بدييييييع ..إلى مانيسا ..متى سنحزم
الحقائب؟
عماد: بعد 23 يوماً
نرجس: تذكر بأن
عليك ترك مصروف كافي لفترة غيابك لي.. ولولدك غسان.
عماد: من حسن
توفيقي أني مهندس معماري ناجح وبالتالي لدي مدخرات كافية لتغطية هذه المصاريف ونهض
ببطئ مغادراً إلى غرفته وهو متألم جداً من موقف زوجته ،لم تفكر حتى بمرافقته رغم
صعوبة الحركة الواضحة التي يعانيها.
تعلم زُّهَرَةُ مادية أمها ولولا أنها تحب التباهي بما يعطيها الأب لما استمرا
معاً!
أليس في موقفها الحالي مع ما يواجهه أباها نوع من ..النـ…..النكران.
أجافة زُّهَرَةُ باب غرفتها رويداً ثم جلست أمام المرآة، اليوم تفوقتْ تفوقاً
باهراً في المسابقة العلمية، السؤال النهائي شبه تعجيزي عن ترتيب العناصر في الجدول
الدوري، سؤال حاسم بين الفريقين، من يجيب؟ من انتبه ..ثم تذكر؟
أجابت زُّهَرَةُ بسهولة فهي تحفظ الجدول بمجرد القراءة!
يقول مُدرسها أنها تملك ذاكرة تصويرية وقليل ..قليل جداً من
يملكونها، فاز فريقنا بالضربة القاضية.. ابتسمت زُّهَرَةُ بثقة، كانت ضربة فاحمة
لبعض الزميلات جعلت نظراتهن منكسرة إلى نهاية اليوم.
●
بعد 24 يوماً
الطبيب: سنبدأ
بجرعة قوية من العلاج الرئيسي في البداية لمنع تكالب الأجسام المضادة في هجومها
على المفاصل وهذا يؤدي لتَيبسها
زُّهَرَة:
كلوروكوانين هو المادة الفعالة.
استغرب الطبيب وقال: جيد أنك تعرفتي عليه
زُّهَرَةُ:
فقط.. أطلعت على بعض المقالات الأجنبية
عماد: لقد
قرأتْ عشرات الصفحات عن الروماتزم وأدويته في مجلات أجنبية متخصصة في العلوم
الطبية وهذا يعني احمرار عينيها من الترجمة!
الطبيب يبدو أنك مثابرة ومحبة للمعرفة واللغة الانجليزية وسيطة بيننا
عماد: ابنتي
مغرمة باكتشاف تكون مواد جديدة من آخرى مختلفة عنها قبل الإضافة والتسخين بداخل
أنبوبة اختبار
الطبيب: روح
الاكتشاف أيضاً.. سنتوقع منك أكثر في المستقبل يا زُّهَرَةُ
..إذا
أحسنت استخدام إمكانياتك وشغفك، وعليك تذكر أن خطوة واحدة لا توصلك إلى النجاح ما
دامت خطوة وليست اختراع، تماماً كما أن خطوة واحدة ليست سبيلاً للٳنحطاط ما دامت
خطوة وليست جريمة.
ردت زُّهَرَةُ بتواضع: ساسعى لذلك.. لا أملك اختيارات بديلة .. فاهتماماتي بعيدة
عن التجارة مثلاً
عاد الطبيب ليوجه كلامه للأب: ساكتب لك قائمة بالفحوصات عليك أجرائها كل 3 أشهر بعدها
نتواصل لبحث تعديل العلاج حسب استجابة الجسم للدواء
عماد: تقديري
الشديد لتعاونك معنا
الطبيب: أبدا.. لا شيء يذكر
بمجرد خروجهما من العيادة سألت زُّهَرَةُ: إلى أين هذه
المرة؟
للإغاضة رد:
لن أخبرك
زُّهَرَةُ باستغراب: نعم
واصل الأب دوره: لن تعرفين حتى تستلمين مني التذكرة في المطار
زُّهَرَةُ:
مستحييييييل
الأب: يبدو أني
بدأت بالتشافي ..وفتر
ثغره عن ابتسامة مكر
زُّهَرَةُ:
أهذا جزائي لمرافقتك في مرضك؟
غلبت زُّهَرَةُ أباها: أمممه لي صديق في النجف لابد من زيارته ..في مراسلاتنا كتب
لي كثيراً عن الجديد في تصميماته لمشاريع نفذها في جنوب العراق.. أفضل أن ٲعاينها
بنفسي
زُّهَرَةُ:
إذاً إلى النجف …
بقلم أمل محمد الحداد







