الخميس، 7 فبراير 2013

وحيدة


أجابت الهاتف..كانت ضعيفة للغاية..بالكاد كانت تلملم بعضها على بعض..مرتبكة..حائرة..أمي أبي.. جدتي الراقدة في فراش المرض..هل أكون خااااااااااااااااااااااااائنة..قبل أن يتكلم طرق على سماعات الهاتف طرقات خفيفة..لامست الطرقات قلبها بشجن..زادت ضعفها و..ألمها..أمسكت بالهاتف بود..سمعته بحب..وانهارت..
في اليوم التالي كانت مشرقة متألقة ناعمة..مبتسمة..تمارس عملها اليومي في بنك التنمية..!!
تعرفت عليه في أخر سنوات الجامعة..أو بالأصح تعرف هو عليها..فهي كانت تعرفه و الكل كان يعرفه..والده من أهم أغنياء البلد..يدير أحد البنوك الكبيرة (وصاحب نسبة ملحوظة فيه) غير استثمارات أخرى..
جمعهم مكتب دكتور الجامعة لمناقشة مشروع التخرج, كانت هي في المجموعة التالية له مباشرة..لاحظ بساطة لبسها وأناقته و جمالها الساحر والهادئ..أحس بأن شيء يتملكه بسرعة وهدوء..
بادر بالتعرف عليها..قدم كرته و تلفونه..ووظيفة جيدة في بنك أبيه..طبعاً لأن مشروعها للتخرج الذي أستمع له أعجبه..
ومع بداية الدوام كانت فرص اللقاء أكبر..أبتسم بلطف.. ابتسمت بهدوء..ناقشها في مواضيع لا تخصه في العمل..ناقشته باستغراب..استدعاها لمكتبه..   
وليد: والدك يعمل في السعودية ..!!؟؟
ليلي: نعم..منذ سنوات..
وليد: إذاً أنت تعيشين مع والدتك ؟
ليلي بإحراج : مع جدتي..والدتي متزوجة..
وليد: عفواً..وواصل حديثة عن الأسرة وعن إمكانية وجود فرصة عمل مشترك مع والدها…
مستحيل أن يكون كلامه لم يعجبها..لكن هل من المستحيل أن يكون هو أعجبها ؟!!
الحديث تلو الحديث..عذب..لامع..مشرق..ماكر..
 هذه المرة أحضر معه هدية..وردة بيضاء وكرت صغير..مدت يدها لتأخذها من على الطاولة..مد يده ليناولها..لا مست أصابعه أناملها..ابتسمت بخجل..عض شفته..ثم ابتسم بمرح..
وفي غرفتها جلست بهدوء على كرسي مكتبها..نظرت للكرت بود..تطباطئت أناملها في فتحه..
لكنها فتحته..وابتسامتها تسبقه..
أحبك  كلمة واحدة..أليست كافية ؟!!
رن الهاتف..إنها نغمته..ردت..
وليد:أحبك بجنون..بشوق..بلهفة تعذبني..ألوم القدر ألف مرة لأنه لم يجمعني بك..وأشكره مليون مرة لأنه جعلني أراك في ذات يوم صدفة..أنت فقط..
أغلقت الهاتف..وأغمضت عينيها لتغرق في بحر الأحلام..
وليد: لا يمكنني الزواج ظروفي صعبة..المال ليس كل شيء يا ليلى..صدقيني أبذل كل جهدي لأريد لشيء أن يبعدني عنك..ونظر إلى عينيها بضعف..
كان ذلك صعباً عليها..خرجت من مكتبه حزينة حائرة..
لم تره ضعيفاً هكذا أبداً..فقط معها..أشفقت عليه
رسالة: ليلي أراك الليلة
مستحيل كيف يفكر ؟!!
اتصلت به..
ليلي: وليد..ما اللذي تظنه؟
وليد: أنا متأكد ولست أظن..وقبل أن تستغرب..واصل بورمنسية شديدة..متأكد من أنك سترين اليوم أكثر الأماكن جمالاً وسحراً..وأنك ستكونين أجمل ما فيه..حبيبتي أنت أغلى ما عندي..كيف تعتقدين أني سأضيعك..حبي معي لا مجال للخوف أو التردد..
ليلي:لا يمكن..
وليد بجدية وحزن: إن لم تأتي اليوم ستقتلينني وتقتلين حبنا..        
لبس تأنق..بخات من العطر..نظر إلى صورته في المرأة بغرور..ووضع لمسته الأخيرة على هندامه..أخذ مفاتيح سيارته الفاخرة وخرج..
منذ ساعة وهو ينتظر..مستحيل..كيف يتوقع أني سأنزل إليه..اتصلت به أخبرته أنها لن تخرج معه..
ساعتين ونصف..آه منك يا وليد..
ليلي: أرجوك يا وليد..أرحل لن أتي ..
وليد: ستأتين..
بمقدار ما كانت تستغرب من إصراره..بمقدار ما كانت تقدر المجهود الذي يبذله لأجلها..
ليلي: أحبك..وأغلقت الهاتف..
في اليوم التالي..كان مرهقاً للغاية..ليلة كاملة من الانتظار..دون فائدة..لم ينظر إليها حتى..
ابتسمت بحزن..وتحينت أول فرصة للقائه..  
  دخلت إلى مكتبه..بمجرد أن عرف أنها ليلي..أشاح بوجهه عنها..أحزنها ذلك بعمق..
ليلي: أنت لا تفهم..
هز برأسه مؤيداً..لحظة صمت كأنها ساعات..نظر إليها بحده وغضب لم تعتد عليهما منه..
ثم قال: بالـتأكيد لا أفهم..لا أفهم معنى الانتظار طوال الليل..لا أفهم معنى الشوق واللهفة..لا أفهم معنى الحب..أصبح غضبه مختلطاً بالحزن..مما زاد من تأثير كلماته فيها..لم تنطق بكلمة..غادرت المكتب..
مرت أيام من التجاهل..والبرود في المعاملة..كان ذلك صعباً على ليلي..أحست بالوحشة و الوحدة..أو أنها عادت إليهما..هي وحيده أصلاً..لا أب و لا أم ولا أخوة..ولا حتى صديقات..
تساءلت ليلي..لماذا لا يوجد لديها صديقات..فتذكرت نصائح أمها..بأن لا تثق في أحد..وبالذات الصديقات..لن تنسى أمها أبداً أن أبيها تزوج صديقتها!!
كانت ليلي قد تعودت على الوضع..لكنها ملته أيضاً..أرادت التغيير..أرادت أن تجرب بنفسها..لم يكن ذلك سهلاً..فقط وليد الذي أستطاع أن يشق طريقه..اشتاقت له بشدة..نظرت إلى الهاتف..تمنت سماع صوته..
تيت..تيت..وصلتها رسالة..أمسكت الهاتف بلهفة..
من وليد: أراك الليلة..
أمسكت الهاتف بحزن وألم..الحيرة تمكنت من عقلها..
تماماً كالمرة الماضية..كان ينتظرها في سيارته..الفرق أنها هذه المرة لبست وتجهزت!!
نظرت إلى نفسها في المرأة..سألت نفسها لماذا تذهبين ؟..ولماذا لا أذهب ؟
  رن الهاتف..تفاجئت ليلي لكنها أجابت..
ليلي: نعم يا أبي..
الأب:كيف حالك يا ليلي ..
ليلي باقتضاب: بخير
صمت الأب لبرهه..كأن هناك حزن يكتمه..ثم قال: اشتقت لك ليلي..لست ادري كيف مرت الأيام وأنا بعيد عنك..
استغربت ليلي كلماته..بل ذهلت تماماً..
الأب: عموماً..لقد قررت العودة قريباً..وسنقضي بعض الوقت معاً..
فرحت ليلي وحزنت في نفس الوقت..الآن..
لم ينتظر الأب الرد..فقال لها مودعاً: في أمان الله
صعقت ليلي من كلمات أبيها الأخيرة..كأنها جديدة عليها..أحست بخوف غريب..وما كانت عازمة عليه قبل قليل أصبح أكثر بعداً
رن الهاتف مرة أخرى..كان رقم وليد..
اضطربت..ماذا تقول له..يا رب..
رسالة من وليد: سأتصل للمرة الأخيرة..زاد توترها..أخذت تتنفس بتوتر و هي تذهب وتجيء في غرفتها..
وليد بهدوء: حبيبة قلبي لماذا تأخرت؟
انعزلت ليلي عن كل شيء..صحيح أن أمي توجت ووالدي سافر..وجدتي أعتني أنا بها وليس العكس..لكن الله..ألم يرزقك مقدار كافي من الأمان..والآن تريدين أن تضيعينه..لأجل ماذا؟  
تكلمت ليلي: أتصدقني ؟
 وليد باستغراب: بكل تأكيد..
ليلي: لك مكانه عندي..
وليد: إذاً..
ليلي: لا تطلب مني مالا أستطيعه..
أوغرت صدر وليد تلك الكلمات لكنه أراد أن يكابر:بل..
ليلي: أنت لا تستطيع الزواج..وأنا لا أستطيع الخروج معك..مقارنه عادله..
أخيراً أحست ليلي بالثقة..وأبعدت شبح الوحشة عن حياتها..
أغلق الهاتف..
أحست باسترخاء شديد..وحب للخالق شديد..ركعت على ركبتيها..وبكت………………………………………
في اليوم التالي..لم ترغب في الذهاب إلى بنك "الازدهار"..سبق وأن دعتها زميله لها للعمل معها في بنك التنمية..ذهبت إلى هناك..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

مهاجر

جلس خالد ليرتاح قليلاً بعد نهار طويل في فلاحة الأرض لأشجار المشمش، أسند ظهره لساق شجرة منهن عريض   ثم شعر بوخزه قوية في وسط ساقه، فإذا بها...