شيخاً كبير .. و قار و هيبة ..
يسير إلى الجامع كل يوم .. طبعاً فهو إمام الجامع و خطيبه .. لطالما بهرت
تلك الطله سعد و حسان ( شقيقان 9 و 13 سنوات ) .. بالرغم من شقاوة سعد
الشديدة إلا انه كان يخشى الحركة عند مرور الشيخ مالك في الشارع .. في
الحقيقة كل الأولاد كذلك ..و بمجرد و صول الشيخ حتى نهاية الشارع .. حتى
يعود الصخب و الضجيج .. تلك المكانة والهيبة لهذا الشيخ لطالما أثارت
التساؤل لدى حسان .. ما سرهما ؟ .. سببهما ؟ .. لماذا الشيخ هكذا و غيرة
ليسو كذلك .. في مرة أفضى حسان بسؤاله المعتمل في عقله و قلبه إلى أخيه سعد
.. فما كان منه إلا أن نقل حيرته إلى أخيه .. و ظهرت علامات التعجب و
الإستفهام على وجهه .. سعد أسمر و أنحل من حسان و أكثر شقاوة .. حسان أكثر
أهداء .. يميل إلى التفكير أكثر .. و إن كان أكثر عنفاً عند الغضب .. و
الإثنان يتيمان منذ الصغر .. وجود الشيخ في حياتهما ليس خافتاً و لا مؤقتاً
.. في كثير من الأحيان يقف ليكلمهما .. فيردان بكلمات مقتضبة من السؤال عن
الحال و الإطمئنان عليهما .. و كثير من الأحيان أيضاً ما يربت على كتفيهما
و يمسح على رأسيهما ( بالذات في الصغر ) ..كل ذلك يسعد سعد أكثر من حسان
.. خصوصاً في الفترة الأخيرة لم يعد حب الشيخ كبيراً في نفس حسان كما كان
وإن دق باب بيتهما من حين لآخر ليعطي أمهما بعض المال منذ وفاة والدهما ..
أهو مقدار من الإنفة أم رغبة في الإعتماد على النفس .. خصوصاً مع دخوله
عامه الثالث عشر ..
بدأ حسان يحدث أمه عن رغبته في الحصول على عمل ..
الأم : و أي عمل ؟ .. و أنت لم تكمل الـثالثة عشرة بعد.. ؟
رد حسان و هو جالس مسنداً ظهره إلى الجدار مطرقاً رأسه إلى الأرض وهو قليلاً ما ينظر إلى أمه وهو يكلمها : أي عمل .. في أي ورشة .. أعمال البناء ..
الأم : أعمال البناء .. إنها مجهدة وستأخذ منك اليوم كامل ..
نظرت الأم بحزن إلى ابنها أقتربت منه ووضعت يدها على كتفه وهي تقول : بني .. لا تقلق أمورنا المادية على خير ما يرام .. كان بريق الثقة خافت في كلماتها الأخيرة ..
تنحنح حسان .. وأبعد يد أمه .. يعلم أنها لا تقول الصدق وأن المبلغ الذي يعطيه الشيخ يتضاءل يوماً بعد يوم مع إرتفاع الأسعار و إحتياجاتهما المتزايدة مع الزمن ..
== == == == ==
== == == == ==
الشيخ مالك : يأخي أريد أن أكلمك في موضوع ..
هز التاجر محمود رأسه موافقاً ..
بدأ الشيخ حديثه معه بالثناء عليه و على كرمه و أنه سيلقى جزاء ذلك في الدنيا و الآخرة بإذن الله ..
أبتسم التاجر محمود و قال : هذا الواجب يا شيخ .. ثم واصل الشيخ حديثه عن أسرة " عماد عامر" المتوفي منذ سنين ..
فهم محمود مقصد الشيخ فقال : يا شيخ .. أطرق بنظره إلى الأرض ثم واصل كلامه ياشيخ أفهم ما تريد أن تقول .. و أوافقك عليه .. عاد للصمت و الشيخ يترقب بحذر ..
أضاف محمود و نبرة الحزن في صوته : لكني لا أستطيع زيادة المال في الوقت الحالي لحسان و عائلته ..
== == == == ==
== == == == ==
حسان : إذاً سأذهب إلى أحد الورش في حارتنا ..
الأم : دع ذلك عنك ..
واصل حسان كلامه بإصرار : سأذهب إلى ورشة النجار .. نهض واقفاً تذكر تلك النقوش الخشبية بإعجاب ..
و أضاف بحزم : و سأبدأ من يوم غد .. ثم مضى مبتعداً..
أمتزج الحزن و الفرح في عيني الأم ( فاطمة ) وهي تنظر إلى أبنها الخارج من البيت ..
الورشة أمام بيت الشيخ تماماً .. بدأ حسان ببعض الأعمال البسيطة أعطنى هذا .. خذ ذاك .. تنظيف الورشة ..
صاحب الورشة الأسطى على ليس ذلك الرجل اللطيف أوالطيب لكنه ليس شديد القسوة .. طويل وعريض .. ممتلئ الجسم و شديد السمرة ..
أبناء الشيخ يخرجون من منزلهم .. ثلاثة أولاد و بنت .. الأخيرة هي الصغرى وهي طالبة في نهاية المرحلة الإبتدائية وجمالها واضح بينما أكبرهم رائد في الثانوية العامة .. لابد من أن الشيخ تزوج متأخراً بعض الشيئ .. فوالدي عندما توفى كان لايزال في ريعان الشباب .. لسبب أو لأخر كان الأبن الأوسط للشيخ حسام الدين يشبه أخيه سعد وإن كان أكبر سناً ( 15سنة ) ..
ثمة أشياء غامضة و غير مفهومة تحدث في العمل ..أ لم تكن مريحة .. كتغيير نوعية الخشب المطلوب .. أو كثرة التأخير و التسويف بسبب إستقبال كمية كبيرة من الأعمال فوق قدرة صاحب العمل و مساعداه .. لكن كل ذلك لم يثير إهتمام حسان بمقدار ما كانت تفعل أجرته .. في أول يوم تأملها كثيراً .. أنها أول مبلغ مالي يخصه .. عدها .. تامله من اليمين إلى الشمال و العكس .. إنها ثمن عمله .. سارع إلى محل الحلويات .. و أشترى بها كلها منه .. و توجه إلى البيت .. تفاجىء سعد عند رؤيته ( مع ما يحمل ) ..وأبتسمت الام .. و أستمتعوا جميعاً بحلو المذاق .. أيضاً كان يوجد شيئ آخر مثير .. الجمال الأتي و الذاهب إلى المدرسة .. في فترة الذهاب .. كان حسان يسير في طريق مختلف من بيته .. لكن الإياب .. بإمكانه أن يكون موجوداً .. يوم بعد يوم بدأ يحرص على ذلك بحجة تنظيف الورشة قبل البدء في العمل .. صحيح ان الورشة تحتاج إلى التنظيف .. لكن الدقة في الموعد لهذا الحد ؟؟ .. هل سيكون سيكون هذا ملاحظاً ..؟ لم يُعر ذلك حسان أي إهتمام ..
و في أحد الأيام دخل الشيخ إلى الورشة و الغضب واضح على وجهه .. أحس حسان بالخوف .. لم يتفاجئ الشيخ بوجود حسان فسبق وأن رأه من قبل ( من أول يوم ) و أسعده ذلك و أثنى عليه ..
الشيخ : كيف حالك يا حسان ..؟
رد حسان بصوت خافت وهو متجمد الحركة : بخير ..
الشيخ :أين الاسطى علي ؟
لسبب ما أحس حسان ببعض الراحة وإجاب : بالداخل ..
دخل الشيخ .. و بدأ عقل حسان يثير التساؤلات .. لماذا أتى الشيخ ؟
ماذا يريد من الأسطى علي .. صحيح أن بينهما قرابة فهما أبنا خالة ..
أهو موضوع عادي ..؟ وذلك الغضب .. أهو موضوع يخصني ..؟ عاد القلق يسري في جسد حسان .. وضع عمود الخشب الذي في يده على أقرب طاولة .. وبدأ يسير نحو باب المحل .. عند تلك اللحظة أرتفع صوت الأسطى علي .. وقف حسان و ألتفت إلى مصدر الصوت..
السيد علي : أنا مشغول ..أنا مشغول ..
أصاب حسان بعض الهدوء ومع ذلك أستمر بالإقتراب من الباب بالسير ببطء إلى الخلف وهوينظر إليهما..
لايزال الشيخ غاضباً .. و إن لم يقاطع الأسطى علي و لم يرتفع صوته بعد .. أعجب حسان بتلك القوة و الثبات في الشيخ .. كانا يتحدثان و هما واقفان فأخذ الشيخ بيد الأسطى علي .. و أجلسه على كرسي قريب منهما .. و أستمرا في حديث طيل إلى حداً ما .. وملامح الجدية واضحة على الشيخ و الضيق و التذمر بادية على الأسطى ..
صوت من الخلف : ما بك ؟
أنتبه حسان إلى عادل ( مساعد الأسطى ) : هه .. لا شيئ ..
عادل : لا تقلق .. ليست المرة الأولى ..
أحس حسان بالإرتياح و سأل بخبث : و لماذا..؟
عادل : الناس يشتكون .. إلى الشيخ .. خصوصاً أنه شريك في الورشة ..
تفاجاء حسان : شريك ..
نظر عادل إلى حسان بطرف عينه و قال : ألم تكن تعلم ..ظ إنه صاحب الأرض ..
حسان : و كيف لي أن أعلم ؟
سكت عادل و ذهب لينشغل بأحد الأبواب ..
حسان يحدث نفسه .. شريك ؟ ! .. أليس ما يفعل الأسطى يدر المزيد من المال .. أرتفعت مكانة الشيخ لدى حسان رغماً عنه ..
نظر حسان إلى الشيخ و و الأسطى علي .. و قد هدأت و تيرة الحديث بينهما .. و عندما أنصرف الشيخ و كانت قد هدأت ملامحه ..
الأسطى علي ينادي : عادل .. عادل ..
أجاب حسين : نعم ..
الأسطى علي : هل مازال أخوك يريد أن يعمل معنا ..
عادل : أجل ..
الأسطى علي : دعه يأتي منذ الغد ..
هدأت نفس حسان .. و إن بدأ يحس بالإمتعاض من .. نفسه ..
و في اليوم التالي .. أخذ حسان يفكر في موعد القدوم من المدرسة .. ثم تذكر وجه الشيخ مالك الغاضب .. فانكسرت نفسه و بقي يعمل داخل الورشة ..
و بعد فترة .. طويلة إلى حداً ما ..
الأسطى علي ينادي بصوت مرتفع : حسان .. حسان ..
حسان : نعم .. نعم ..
الاسطى علي غاضباً : لماذا لم تنظف هذا المكان إلى الآن ..
حسان يحدث نفسه زيادة في الحرص ثم قال : كان لدي بعض الأعمال بالداخل ..و سأفعل ذلك الآن ..
الأسطى علي بغيض : إذاً أسرع .. سأذهب لاحضر بعض المواد من مكان قريب .. و إياك أن أعود وأنت لم تنتهي بعد ..
و بمجرجد أن بدأ .ز كان عد من الاشخاص يقتربون .. ألقي حسان بنظرة .. أنه الشيخ و أبنه الوسط و .. أبنته ..
صُدم حسان من الموقف لكنه واصل عمله بضيق (لأنه يجب أن يواصل) .. و واصلو هم الأقترب من البيت .. و عندما كانوا أمام الورشة تماماً .. كلم الشيخ و لده .. ودخلا إلى البيت .. بينما توجه هو إلى .. الورشة ..
للحظة خيل إلى حسان أن قلبه توقف عن النبض .. ثم عاد لينبض مرة أخر بقوة أكبر أصبحت المكنسة عصية الحركة بين يديه .. بل ربما أن جسمه هو الذي أصبح عصي الحركة .. و باداخله يتمنى حسان ان تكون هذه المرة مثل السابقة .. أخذ الشيخ بالإقتراب من حسان وهالة الغضب واضحة عليه .. لم يكن يريد أن يحس بالخوف .. أخذ يقاومه قدر الإمكان إلا أن ذلك لم يمنع إصابته بالإرتباك .. لم يدر ماذا يفعل و كيف يتصرف .. لم يكن يرغب في الخروج في هذا الوقت .. لكن هم الذين جاءوا متأخرين .. يحس حسان بخطئه لكنه يعرف تماماً أنه أراد التوقف عن ذلك .. لماذا تأخروا ..؟ لماذا ..؟
و قف الشيخ أمامه تماماً .. أرتفع بصر حسان إلى الشيخ بخوف و ترقب .. إبتسم الشيخ إبتسامة خفيفة متكلفة .. هدأت هذه الإبتسامة و إن كانت متكلفة قليلاً من توتر و قلق حسان ..
بدأ الشيخ بالكلام بجدية و الحزن عميق في عينيه يغلفه بلطف خفيف الذي كان من الواضح ان من الصعوبة ان يحافض عليه : حسان .. أريد أن أطلب منك طلباً ..
هز حسان رأسه موافقاً ..
واصل الشيخ و الإرادة أوضح الآن في صوته : أريد منك ..و أنت في مكانك هذا ..أن تحمي لي بيتي ..
أصابت تلك الكلمات صميم نفس حسان ..
أحس بالحزن ينفجر من فتحه في أعلى قلبه .. و أحس بإهانته لنفسه ..
أكمل الشيخ كلامه بثبات : حسان .. إذا طلب أحدا
ص مني أن أحمي له بيته .. فسوف أفعل ذلك .. حتى من نفسي .. أصابت الكلمات الأخيرة كبد حسان مباشرة .. أراد ان يقول .. أراد أن يتكلم .. لم يستطع ..
أنهى الشيخ مالك كلامه و توجه نحو بيته ..
لم يكن يريد حسان أن يكون في مثل هذا الموقف أبداً .. كان من المفروض أن لا يبدأ في هذا الأمر أصلاً ..
رمى حسان المكنسة التي كانت في يديه و توجه نحو البيت ..
== == == ==
== == == ==
و الدة حسان : ماذا ترغب في العشاء .. ؟
حسان بهدوء و ضيق : لا شيئ ..
الأم : كيف لا شيئ ..؟ ..
حسان بغضب ممزوج بالحزن : أمااااه .. لا شيئ .. لا شيئ لا أرغب في الأكل .. أتريدين أن أخرج من البيت ..
صمتت الأم بالحسرة و الألم .. و خرجت من الغرفة ..
أخذ حسان بطانيته و غطأ بها رأسه بالإضافة إلى جسمه .. أخذ نفساً عميقاً.. تذكر الألم الذي تسببه له موقف هذا اليوم .. كيف يمكن أن يتسبب لنفسه في مثل هذه الإهانة ..؟ .. ألممممم ..
أنسكبت دموعه رغماً عنه .. و مبعدة له عن أنفته المعتاده .. هدوء الشيخ .. لو أنه ضربه .. ..لو أن أخيها عاركه .. لكن الشيخ ..أممممه .. أغمض عينييه ..و مزيداً من الدموع ..
في اليوم التالي لم يذهب حسان إلى الورشة .. توقع الأسطى علي أنه مريض .. خصوصاً بعد تركه للورشة المفاجئ يوم أمس .. لكن مع ذلك كان عليه أن يستأذن ..
أصبح حسان أكثر تفهماً لمكانة الشيخ ..تصرفاته(الشيخ) هي السبب .. مواقفه في اللحضات الصعبه .. لم يفقد السيطرة أبداًً .. هل يجب أن يكون المرء شيخاً بكون مثله .. تكون مثله ..أنسيت ما فعلت ؟؟.. لا لم أنسى لكني الآن أبعد ما أكون عن تكرار نفس الخطاء ..
طق .. طق .. طق .. طق .. فتحت أم حسان الباب و إذا به سعد يندفع بسرعة إلى داخل البيت .. و هو يصرخ : حسان .. حسان .. الأسطى علي يسأل عليك و يقول إذا لم تأتي غداً سيعطي عملك لعامل أخر ..
أزعج ذلك الأم قليلاً لكن أنشغالها بإبنها كان أكبر ..
بالكاد سمع حسان صوت أخيه ..
لن أعود للعمل في نفس الورشة .. قرر حسان الأبعاد عن أي وجه جميل .. و الإستمرار في العمل .. و الإصرار على الحق و لو على نفسه .. فهو يريد تلك القوة و ربما كان هذا هو الطريق إليها ..
بدأ حسان يحدث أمه عن رغبته في الحصول على عمل ..
الأم : و أي عمل ؟ .. و أنت لم تكمل الـثالثة عشرة بعد.. ؟
رد حسان و هو جالس مسنداً ظهره إلى الجدار مطرقاً رأسه إلى الأرض وهو قليلاً ما ينظر إلى أمه وهو يكلمها : أي عمل .. في أي ورشة .. أعمال البناء ..
الأم : أعمال البناء .. إنها مجهدة وستأخذ منك اليوم كامل ..
نظرت الأم بحزن إلى ابنها أقتربت منه ووضعت يدها على كتفه وهي تقول : بني .. لا تقلق أمورنا المادية على خير ما يرام .. كان بريق الثقة خافت في كلماتها الأخيرة ..
تنحنح حسان .. وأبعد يد أمه .. يعلم أنها لا تقول الصدق وأن المبلغ الذي يعطيه الشيخ يتضاءل يوماً بعد يوم مع إرتفاع الأسعار و إحتياجاتهما المتزايدة مع الزمن ..
== == == == ==
== == == == ==
الشيخ مالك : يأخي أريد أن أكلمك في موضوع ..
هز التاجر محمود رأسه موافقاً ..
بدأ الشيخ حديثه معه بالثناء عليه و على كرمه و أنه سيلقى جزاء ذلك في الدنيا و الآخرة بإذن الله ..
أبتسم التاجر محمود و قال : هذا الواجب يا شيخ .. ثم واصل الشيخ حديثه عن أسرة " عماد عامر" المتوفي منذ سنين ..
فهم محمود مقصد الشيخ فقال : يا شيخ .. أطرق بنظره إلى الأرض ثم واصل كلامه ياشيخ أفهم ما تريد أن تقول .. و أوافقك عليه .. عاد للصمت و الشيخ يترقب بحذر ..
أضاف محمود و نبرة الحزن في صوته : لكني لا أستطيع زيادة المال في الوقت الحالي لحسان و عائلته ..
== == == == ==
== == == == ==
حسان : إذاً سأذهب إلى أحد الورش في حارتنا ..
الأم : دع ذلك عنك ..
واصل حسان كلامه بإصرار : سأذهب إلى ورشة النجار .. نهض واقفاً تذكر تلك النقوش الخشبية بإعجاب ..
و أضاف بحزم : و سأبدأ من يوم غد .. ثم مضى مبتعداً..
أمتزج الحزن و الفرح في عيني الأم ( فاطمة ) وهي تنظر إلى أبنها الخارج من البيت ..
الورشة أمام بيت الشيخ تماماً .. بدأ حسان ببعض الأعمال البسيطة أعطنى هذا .. خذ ذاك .. تنظيف الورشة ..
صاحب الورشة الأسطى على ليس ذلك الرجل اللطيف أوالطيب لكنه ليس شديد القسوة .. طويل وعريض .. ممتلئ الجسم و شديد السمرة ..
أبناء الشيخ يخرجون من منزلهم .. ثلاثة أولاد و بنت .. الأخيرة هي الصغرى وهي طالبة في نهاية المرحلة الإبتدائية وجمالها واضح بينما أكبرهم رائد في الثانوية العامة .. لابد من أن الشيخ تزوج متأخراً بعض الشيئ .. فوالدي عندما توفى كان لايزال في ريعان الشباب .. لسبب أو لأخر كان الأبن الأوسط للشيخ حسام الدين يشبه أخيه سعد وإن كان أكبر سناً ( 15سنة ) ..
ثمة أشياء غامضة و غير مفهومة تحدث في العمل ..أ لم تكن مريحة .. كتغيير نوعية الخشب المطلوب .. أو كثرة التأخير و التسويف بسبب إستقبال كمية كبيرة من الأعمال فوق قدرة صاحب العمل و مساعداه .. لكن كل ذلك لم يثير إهتمام حسان بمقدار ما كانت تفعل أجرته .. في أول يوم تأملها كثيراً .. أنها أول مبلغ مالي يخصه .. عدها .. تامله من اليمين إلى الشمال و العكس .. إنها ثمن عمله .. سارع إلى محل الحلويات .. و أشترى بها كلها منه .. و توجه إلى البيت .. تفاجىء سعد عند رؤيته ( مع ما يحمل ) ..وأبتسمت الام .. و أستمتعوا جميعاً بحلو المذاق .. أيضاً كان يوجد شيئ آخر مثير .. الجمال الأتي و الذاهب إلى المدرسة .. في فترة الذهاب .. كان حسان يسير في طريق مختلف من بيته .. لكن الإياب .. بإمكانه أن يكون موجوداً .. يوم بعد يوم بدأ يحرص على ذلك بحجة تنظيف الورشة قبل البدء في العمل .. صحيح ان الورشة تحتاج إلى التنظيف .. لكن الدقة في الموعد لهذا الحد ؟؟ .. هل سيكون سيكون هذا ملاحظاً ..؟ لم يُعر ذلك حسان أي إهتمام ..
و في أحد الأيام دخل الشيخ إلى الورشة و الغضب واضح على وجهه .. أحس حسان بالخوف .. لم يتفاجئ الشيخ بوجود حسان فسبق وأن رأه من قبل ( من أول يوم ) و أسعده ذلك و أثنى عليه ..
الشيخ : كيف حالك يا حسان ..؟
رد حسان بصوت خافت وهو متجمد الحركة : بخير ..
الشيخ :أين الاسطى علي ؟
لسبب ما أحس حسان ببعض الراحة وإجاب : بالداخل ..
دخل الشيخ .. و بدأ عقل حسان يثير التساؤلات .. لماذا أتى الشيخ ؟
ماذا يريد من الأسطى علي .. صحيح أن بينهما قرابة فهما أبنا خالة ..
أهو موضوع عادي ..؟ وذلك الغضب .. أهو موضوع يخصني ..؟ عاد القلق يسري في جسد حسان .. وضع عمود الخشب الذي في يده على أقرب طاولة .. وبدأ يسير نحو باب المحل .. عند تلك اللحظة أرتفع صوت الأسطى علي .. وقف حسان و ألتفت إلى مصدر الصوت..
السيد علي : أنا مشغول ..أنا مشغول ..
أصاب حسان بعض الهدوء ومع ذلك أستمر بالإقتراب من الباب بالسير ببطء إلى الخلف وهوينظر إليهما..
لايزال الشيخ غاضباً .. و إن لم يقاطع الأسطى علي و لم يرتفع صوته بعد .. أعجب حسان بتلك القوة و الثبات في الشيخ .. كانا يتحدثان و هما واقفان فأخذ الشيخ بيد الأسطى علي .. و أجلسه على كرسي قريب منهما .. و أستمرا في حديث طيل إلى حداً ما .. وملامح الجدية واضحة على الشيخ و الضيق و التذمر بادية على الأسطى ..
صوت من الخلف : ما بك ؟
أنتبه حسان إلى عادل ( مساعد الأسطى ) : هه .. لا شيئ ..
عادل : لا تقلق .. ليست المرة الأولى ..
أحس حسان بالإرتياح و سأل بخبث : و لماذا..؟
عادل : الناس يشتكون .. إلى الشيخ .. خصوصاً أنه شريك في الورشة ..
تفاجاء حسان : شريك ..
نظر عادل إلى حسان بطرف عينه و قال : ألم تكن تعلم ..ظ إنه صاحب الأرض ..
حسان : و كيف لي أن أعلم ؟
سكت عادل و ذهب لينشغل بأحد الأبواب ..
حسان يحدث نفسه .. شريك ؟ ! .. أليس ما يفعل الأسطى يدر المزيد من المال .. أرتفعت مكانة الشيخ لدى حسان رغماً عنه ..
نظر حسان إلى الشيخ و و الأسطى علي .. و قد هدأت و تيرة الحديث بينهما .. و عندما أنصرف الشيخ و كانت قد هدأت ملامحه ..
الأسطى علي ينادي : عادل .. عادل ..
أجاب حسين : نعم ..
الأسطى علي : هل مازال أخوك يريد أن يعمل معنا ..
عادل : أجل ..
الأسطى علي : دعه يأتي منذ الغد ..
هدأت نفس حسان .. و إن بدأ يحس بالإمتعاض من .. نفسه ..
و في اليوم التالي .. أخذ حسان يفكر في موعد القدوم من المدرسة .. ثم تذكر وجه الشيخ مالك الغاضب .. فانكسرت نفسه و بقي يعمل داخل الورشة ..
و بعد فترة .. طويلة إلى حداً ما ..
الأسطى علي ينادي بصوت مرتفع : حسان .. حسان ..
حسان : نعم .. نعم ..
الاسطى علي غاضباً : لماذا لم تنظف هذا المكان إلى الآن ..
حسان يحدث نفسه زيادة في الحرص ثم قال : كان لدي بعض الأعمال بالداخل ..و سأفعل ذلك الآن ..
الأسطى علي بغيض : إذاً أسرع .. سأذهب لاحضر بعض المواد من مكان قريب .. و إياك أن أعود وأنت لم تنتهي بعد ..
و بمجرجد أن بدأ .ز كان عد من الاشخاص يقتربون .. ألقي حسان بنظرة .. أنه الشيخ و أبنه الوسط و .. أبنته ..
صُدم حسان من الموقف لكنه واصل عمله بضيق (لأنه يجب أن يواصل) .. و واصلو هم الأقترب من البيت .. و عندما كانوا أمام الورشة تماماً .. كلم الشيخ و لده .. ودخلا إلى البيت .. بينما توجه هو إلى .. الورشة ..
للحظة خيل إلى حسان أن قلبه توقف عن النبض .. ثم عاد لينبض مرة أخر بقوة أكبر أصبحت المكنسة عصية الحركة بين يديه .. بل ربما أن جسمه هو الذي أصبح عصي الحركة .. و باداخله يتمنى حسان ان تكون هذه المرة مثل السابقة .. أخذ الشيخ بالإقتراب من حسان وهالة الغضب واضحة عليه .. لم يكن يريد أن يحس بالخوف .. أخذ يقاومه قدر الإمكان إلا أن ذلك لم يمنع إصابته بالإرتباك .. لم يدر ماذا يفعل و كيف يتصرف .. لم يكن يرغب في الخروج في هذا الوقت .. لكن هم الذين جاءوا متأخرين .. يحس حسان بخطئه لكنه يعرف تماماً أنه أراد التوقف عن ذلك .. لماذا تأخروا ..؟ لماذا ..؟
و قف الشيخ أمامه تماماً .. أرتفع بصر حسان إلى الشيخ بخوف و ترقب .. إبتسم الشيخ إبتسامة خفيفة متكلفة .. هدأت هذه الإبتسامة و إن كانت متكلفة قليلاً من توتر و قلق حسان ..
بدأ الشيخ بالكلام بجدية و الحزن عميق في عينيه يغلفه بلطف خفيف الذي كان من الواضح ان من الصعوبة ان يحافض عليه : حسان .. أريد أن أطلب منك طلباً ..
هز حسان رأسه موافقاً ..
واصل الشيخ و الإرادة أوضح الآن في صوته : أريد منك ..و أنت في مكانك هذا ..أن تحمي لي بيتي ..
أصابت تلك الكلمات صميم نفس حسان ..
أحس بالحزن ينفجر من فتحه في أعلى قلبه .. و أحس بإهانته لنفسه ..
أكمل الشيخ كلامه بثبات : حسان .. إذا طلب أحدا
ص مني أن أحمي له بيته .. فسوف أفعل ذلك .. حتى من نفسي .. أصابت الكلمات الأخيرة كبد حسان مباشرة .. أراد ان يقول .. أراد أن يتكلم .. لم يستطع ..
أنهى الشيخ مالك كلامه و توجه نحو بيته ..
لم يكن يريد حسان أن يكون في مثل هذا الموقف أبداً .. كان من المفروض أن لا يبدأ في هذا الأمر أصلاً ..
رمى حسان المكنسة التي كانت في يديه و توجه نحو البيت ..
== == == ==
== == == ==
و الدة حسان : ماذا ترغب في العشاء .. ؟
حسان بهدوء و ضيق : لا شيئ ..
الأم : كيف لا شيئ ..؟ ..
حسان بغضب ممزوج بالحزن : أمااااه .. لا شيئ .. لا شيئ لا أرغب في الأكل .. أتريدين أن أخرج من البيت ..
صمتت الأم بالحسرة و الألم .. و خرجت من الغرفة ..
أخذ حسان بطانيته و غطأ بها رأسه بالإضافة إلى جسمه .. أخذ نفساً عميقاً.. تذكر الألم الذي تسببه له موقف هذا اليوم .. كيف يمكن أن يتسبب لنفسه في مثل هذه الإهانة ..؟ .. ألممممم ..
أنسكبت دموعه رغماً عنه .. و مبعدة له عن أنفته المعتاده .. هدوء الشيخ .. لو أنه ضربه .. ..لو أن أخيها عاركه .. لكن الشيخ ..أممممه .. أغمض عينييه ..و مزيداً من الدموع ..
في اليوم التالي لم يذهب حسان إلى الورشة .. توقع الأسطى علي أنه مريض .. خصوصاً بعد تركه للورشة المفاجئ يوم أمس .. لكن مع ذلك كان عليه أن يستأذن ..
أصبح حسان أكثر تفهماً لمكانة الشيخ ..تصرفاته(الشيخ) هي السبب .. مواقفه في اللحضات الصعبه .. لم يفقد السيطرة أبداًً .. هل يجب أن يكون المرء شيخاً بكون مثله .. تكون مثله ..أنسيت ما فعلت ؟؟.. لا لم أنسى لكني الآن أبعد ما أكون عن تكرار نفس الخطاء ..
طق .. طق .. طق .. طق .. فتحت أم حسان الباب و إذا به سعد يندفع بسرعة إلى داخل البيت .. و هو يصرخ : حسان .. حسان .. الأسطى علي يسأل عليك و يقول إذا لم تأتي غداً سيعطي عملك لعامل أخر ..
أزعج ذلك الأم قليلاً لكن أنشغالها بإبنها كان أكبر ..
بالكاد سمع حسان صوت أخيه ..
لن أعود للعمل في نفس الورشة .. قرر حسان الأبعاد عن أي وجه جميل .. و الإستمرار في العمل .. و الإصرار على الحق و لو على نفسه .. فهو يريد تلك القوة و ربما كان هذا هو الطريق إليها ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.